أرشيف شهر May 2007

غرفة مزدحمة بالغائبين*

23 May 2007

The image “http://www.montlonsdale.k12.mn.us/High%20School/Activities/Art/Good%20Web%20Art/art7e.jpeg” cannot be displayed, because it contains errors.

فيما الليل يتوقف قليلاً قبل أن يحط على مهل، قبل أن تتوقف صغار القطط عن العبث في قمامة المنازل، وتشرع في عمليات التزاوج، لينظر تجاه المبنى المستطيل، ذو الواجهات المسطحة، والنوافذ المستطيلة، والأسوار المعدنية ذات النهايات المستدقة. يُمكننا البدء من هذا المكان، بذاتِ الكيفية التي نستطيعُ بها الإعلان عن نهايةٍ ما بطريقةٍ فجةٍ و مُفاجِئة، لذا فهذا المكان لا يُمكنه أن يتكرَّرَ بذات التصميم، وبنفس عدد الأبواب والنوافذ في مكان آخر، ويمكن القول بطريقة الجزم أنه لا يتكرَّرُ بأي صورةٍ مطابقة على الإطلاق، ولا على سبيل المقاربة، فهناك في مكان ما على أرضِ هذه المدينة، باب بمصراعين كبيرين من خشب البلوط القاسي، مطليٌ بطبقةٍ من الماجنو ومُحلَّى بقطعٍ من الزجاج المثلج، زُرعَتْ فوقه مباشرةً لوحةٌ من البلاستيك الأبيض، وهذه اللوحة تميل أكثر إلى جهة المصراع الأيسر، ثُبِّتت عليها قطعٌ أخرى من البلاستيك على شكلِ أحرفٍ عربيةٍ بارزة، ذات لونٍ أخضر باهت بإضاءةٍ خافتة من النيون الأبيض، وتحملُ كلمتين منفصلتين تدلانِ على اسمٍ عامٍ لهذا النوع من الأماكن، وتحملُ دلالةً مباشرة لما قد ينتظرُ الذين سيدخلون هذا المكان بأيِّ طريقةٍ كانت.

وبالرغم من كون طبقة الماجنو مشققة بعض الشيء في النصف الأعلى ، وتكاد تكون في أماكن أخرى مشققة تماماً ومهترئة؛ فإن خطوط البلوط الأصلية تظهرُ مثل طرق متشعبة لمدينة واحدة، إلا أن لون الباب لا يزال فتياً إذا ما تمت مقارنته بلون الجدار الذي يحمله، والذي صار باهتاً مؤخراً، وفي ذات الوقت فإن اللوحة الإرشادية ذات اللون الأخضر الداكن المعُلقة على الجدار ذاته، والتي تشير إلى اسم الشارع والحي فإنها لبست لوناً أصفرٍ نتيجة الشمس المتكررة والغبار الكثيف الذي يزور هذه المدينة بإستمرار.

هناك أيضاً ثلاثة أبواب فرعية صُنعت من حديد الصفيح، جميعها صدئة ومقفلة إلا في حالات الطوارئ، وللحقيقة لم يسبق أن حدثت حالة طارئة. يوجدُ أيضا سبعة نوافذ في الجهة الشرقية للثلاجة، مما يجعل النوم أو تركها مفتوحة في ساعات الصباح الأولى مخاطرةً كبيرة، لذلك يبدو المكان هادئاً في بقية ساعات اليوم، لكن ما إن تحاول اختراق هذا الهدوء، حتى تصادفك رائحة معقمات لا يمكن لأحد التنبؤ بنوعها، وما إذا كانت تخص منظفات الأرضيات أو تشبه تلك الروائح الموجودة باستمرار في المستشفيات، بالإضافة لرائحة أوراق رديئة وقديمة جداً، وتحتوي على أسماء لكل النزلاء الذين وصلوا للمكان خلال سنوات كثيرة، تختلط بها روائح أخرى تنبعث بقوة من المطعم المقابل في الشارع المجاور، وروائح أخرى صادرة عن الحمام وأخرى تأتي من الأحياء القريبة، فتخلق مزيجاً من رائحةٍ لا يمكن تجاهلها. وهذه الروائح مع أنها نافذة إلى الرأس مباشرةً فهي مدخل لصداع مؤقت، ولعدة تشنجات تصيب الأنف بشلل بسيط يتضاءل مع الوقت حتى يتلاشى، لكن هذه الرائحة تبقى لاذعةً حتى بعد الخروج من الثلاجة.

وحين تتجاوز هذه الروائح، تصادف مكتبين صغيرين عن اليمين واليسار، وباباً آخر من الألمونيوم المقوّى في مواجهة الباب الخارجي، أحد هذين المكتبين استحال إلى مستودع للملفات القديمة، بينما يبدو المكتب الآخر مُجهزٌاً لنوع واحد من الموظفين، أؤلئك الذين لا يكترثون بالأماكن الضيقة، فهناك طاولة صغيرة من السنديان المطعم بقوائم الحديد، وأشجار زينة مزيفة وضئيلة على جانبي المكتب، ويبدو مُهماً هنا التذكير بأن الأشجارَ حتى وإن كانت مزيفة؛ إلا أن أخضرها قد تحول إلى لونٍ بني نتيجة طبقة سميكة من الغبار. هناك أيضاً خزانة حديدية بواجهات زجاجية كبيرة، تحمل على ظهرها ملفات عريضة كُتب عليها أرقام الشهور الهجرية بخط نسخ كبير، بينما كُتب بخط رقعة أصغر بكثير تواريخ ميلادية لا يسهل تخمين سبب كتابتها، لأنها لا تمثل الشهور المقابلة لتلك العربية، وهي لأعوام مختلفة كلياً، وفي مقابل الطاولة وعلى الجهة نفسها بالنسبة للطاولة وللموظف، يوجد كرسيان من الخيزران السميك، وكرسي آخر من الحديد تحت النافذة التي تخص المكتب.

في المكتب الآخر، والذي كما ذكرت قد تحول إلى مستودع للملفات، هناك أرتال من الملفات المكدسة مصنفة حسب تواريخ متصاعدة، ولّما كان الموظف السابق في هذا المكان أكثر ترتيباً من الحالي، فقد صنف النزلاء حسب جنسهم وأعمارهم، محافظاً قدرَ استطاعته على الترتيب الأبجدي، ومراعياً كذلك التاريخ العربي، فهي موزعة على صفوف وهمية على أرضية الغرفة، يفصل بينها ممرات ضيقة تمكن الموظف من الدخول، ومن ثَمَّ الوصول إلى التاريخ المطلوب بشيء من السهولة التي تراجعت مؤخراً، فأصبح البحث عن ملف ما يستغرق أضعاف الوقت الذي كان يستغرقه قبل الآن، لكنه في نفس الوقت يكاد يكون سهلاً، لولا كثافة الملفات الجديدة التي لم تصنف بعد.

العملُ بطبيعته ليس مُتعباً، فالموظف الوحيد، حتى وإن بدا كسولاً بعض الشيء، متذمراً دائماً، إلا أن مهامَّه محدودةٌ يمكن إنجازها بسهولة دون الحاجة لتعقيدات حسابية، أو حتى التردد على أماكن مختلفة داخل الثلاجة. و تنظيف المكان لا يعتبر ضمن الواجبات المفروضة على الموظف، فهناك عامل آسيوي نحيلٌ لدرجةٍ لا يمكن تخيلها أو وصفها، وهو مستمعٌ جيد للجميع بالإضافة لكونه يجيد العمل لأكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة، ولا يشعر بأي رهبة من ترتيب الخزائن المصفوفة على طول الثلاجة، فجميع الذين سبقوه إلى هنا انتهى بهم الطريق إلى مرض نفسي مزمن، يؤدي إلى أرق شديد ثم إلى شيء أقل حدة من الجنون، وكثيراً ما عاد أولئك العمال إلى بلادهم دون فائدة، والعمل هنا لا يتبع أي قاعدة إدارية، فالعلاقات هنا تكون حميمة ومتكاتفة، والأعمال متداخلة بطريقة تدعو للوقوف، فالحكايات هنا مألوفة للجميع، وتبدو مكررة، حتى أن إعادة الحكاية نفسها أكثر من مرة على مسمع الآخر لا تبدو مملة، ويتم التعامل معها بطريقة عفوية، وكأنها تقال وتُسمع لأولِ مرة.

ولتكتمل الصورة أعتقد أنه من الأهمية ذكر جهاز الكمبيوتر القديم، الذي لم يعد مستخدماً لسببين..

الأول: لأنه قديم كما ذكرت، ولأن التيار الموصل بعداد الكهرباء يعاني من تذبذب مستمر، فمن المألوف مشاهدة إضاءة الثلاجة ترتفع وتنخفض في نفس اللحظة، لذا كان من المستحيل استمرار تشغيل جهاز الكمبيوتر بنفس الكفاءة، مما يؤدي دائماً إلى حدوث أعطاب ينتج عنها فقدان جميع الملفات وأسماء النزلاء، ومشكلات أخرى في القطع الكهربائية الداخلية، كما أنه سبق لأربع شاشات عرض أن توقفت عن العمل بفعل تذبذب الكهرباء.

الثاني: لأسباب تقنية بالدرجة الأولى، فالموظف السابق والذي قبله، والذي سيأتي بعدهما، يجدون مشكلة في التعامل مع الجمادات المشعة، والجمادات التي تُظهرهم أقل ذكاء، ذلك أدى لوجود فجوة في أسماء النزلاء خلال فترة عمل الأخير، لذلك أصبحَ الأمر ثقيلاً إذا ما فكر أحد في إعادة إدخال معلومات النزلاء في السنة الأخيرة.

وبالنسبة للأرشيف الآخر في ركن الثلاجة القصي فهناك ملفات أخرى أكثر اغبراراً، في غرفة طويلة وضيقة في نهاية الثلاجة، يتم فتحها نهاية كل سنة لسبب واحد فقط، وهو وضع ملفات السنة المنصرمة فقط، أو في حال جاء أحد أولئك الغرباء ذوي السحنات المريبة بورقة رسمية مختومة، حينها يفتح له الباب للبحث ومن الطبيعي أن يخرج مباشرة بعدها إلى المستشفى المجاور لأخذ جرعة من الأوكسجين، لتعرضة لكميات كبيرة من الغبار الذي يعتلي الملفات، وعادة ما يخرج بدون فائدة تذكر، لأنه إما أن تكون الفئران قد اعتاشت على الأوراق الصفراء القديمة، أو تكون الأوراق قد أصبحت صفراء أكثر من اللازم بفعل العامل الزمني، و بسبب الرطوبة التي تنتجها أجهزة التبريد الكثيرة.

المرة الوحيدة التي رفع فيها أحد ضباط المباحث - والذين عادة ما يزورن الأرشيف بسبب التحقيق في قضايا قديمة أُعيد فتحها لأي سبب من الأسباب- شكوى إلى المدير السيد: فواز؛ كانت ردة الفعل كما كان متوقعاً لأية شكوى مماثلة ومقدمة من جهة رسمية، مما دعا السيد فواز لـ التحدث مع الموظف بشأن محاولة تنظيم الأرشيف، ولمّا كان السيد فواز يعلم فداحة هذا الطلب، فقد حاول تهدئة الأمر مع المباحث وقطع وعوداً وهمية لترتيب المكان خلال شهرين كحدٍ أقصى.

ولحسن الحظ، فهذه الثلاجة تحديداً، لا تحتوي على أسماء أثرياء، أو مشاهير، لأنها تقع في منتصف المدينة، بعيداً عن الضواحي التي يسكنها أولئك الناس، فالكل هنا ينتمون لطبقة متوسطة نوعاً ما، ومن جنسيات مختلفة، وهنا تحديداً يمكن استشعار القيمة الحقيقية للموت، الموت الذي يعرفه الجميع، و يستطيع المرء لمس ماهيةَ القدر العادل الذي يخضع لكفاءة الشخص المنتقى للانتقال للمرحلة الأخرى، دون تدخلات الآخرين، وتقبل أن الموت حق مشروع للجميع، وترك إلقاء التهم على الموت لنسيانه لكهل ما، أو لمجرد أخذه طفل رضيع، والجميع هنا يعلمون أن لكل شخص ساعته المحددة، ويمكن أن يكون هذا هو السبب في عدم وجود أي ساعة معلقة في أي مكان، سواء في مكتب الموظف، أو في المكتب المقابل، ولا حتى في الممرات الداخلية على حد سواء.

كما أن للجميع القدرة على تحديد الساعة المحددة، الساعة التي تبدأ فيها العضلات بالتشنج استعداداً للسفر البعيد والشاق، ويبدأ القلب بالخفقان بطريقة سريعة لكنه في الوقت ذاته لا يفقد انتظامه، حينها تفتح الأبواب الموصدة، وتدق الساعات والنواقيس في الرأس، كما أحس جابر بساعته المحددة.

.

.

.

.

.

.

.

* بتصرف من عنوان ديوان شعري لـ تمام التلاوي


ممن تصدر الرائحة ؟

8 May 2007
http://www.mcb.com.hk/online/image/upload/218/safety_scissors17_237.jpg

رائحتي نتنة، مع ان ثيابي بيضاء، واسناني بيضاء كذلك، ملابسي الداخلية، وجسدي وملائات سريري كلها بيضاء، جواربي البسها مرة واحدة ثم القيها في حاوية البناية، سلة القمامة نظيفة، والارضيات الرخامية تعكس صورة السقف، زواري كذلك يخضعون لشروط كثيرة قبل دخولهم إلى منزلي ( الأحذية تنزع في الخارج، الجوارب أيضاً)، شقتي في الدور الثالث بعيداً عن الأرض الرطبة والمتسخة على الدوام، والخادمة تأتي ثلاث مرات يومياً، وبالإضافة الى أنها مهووسة بالنظافة، فهي مؤخراً تلمح بأنها قد تنهي عملها هنا، تقول: بيتك نظيف وسيقى نظيف لسنوات، لقد غسلته أكثر مما فعلت لبيتي الذي أكملت فيه عامي التاسع، وقالت: أنت مهووس، ومريض، ورائحتك نتنة نسبة للاشياء النظيفة حولك، بالنسبة لكل الأشياء البيضاء مثل قرص قمر سقط في فخك، لقد استغرقت كثيراً وهي تتحدث عن النظافة حولها، وهي تمسح زجاج النافذة، وفيما أنا اقف بعيداً اتابع حديثها، القت قطعة القماش المبللة على أرضية الرخام مخلفةً بقعة بلل كبيرة، وخرجت مسرعةً عبر الباب الخشبي الباهت.

(الشرموطة) لا تعرف رائحتي حقاً، فقد تركتني امسح ما تبقى من زجاج النافذة، وحمل قطعة القماش بعيداً عن الأرض، حتى بالنسبة لي لا ابدو مألوفاً لنفسي وأنا ارش ابطي بمزيل رائحة العرق، إذ يبدو لي نتناً ايضاً، وحتى حين أغتسل بشامبو الفواكهة، الذي يذكرني بفواكهِ منزلي الجنوبي، او حين اتمضمض بمعجون الاسنان، او حين اقفز فوق دخان ( البخور) فارجاً قدمي ليتخللني، ومع ذلك رمت القحبة بقطعة القماش وادعت أنها تعرف رائحتي، والحقيقة انها كانت رائحتها قبل المجيء، فيما هي تضاجع كل الرجال في الطريق الى هنا، هي رائحة عرقهم وهذه الجلبة التي لطالما احدثتها في شقتي قبل ان تهرب هي صوت حيوانتهم المنوية على جسدها، وهم يعترضون على هذا العرق الذي يقض مضاجعهم في وقت العمل، نعم تلك رائحتها.. وليست خاصتي.