أرشيف شهر March 2007

أمنية تتعلق بالمطر !

25 March 2007

….

بعد أن نزل المطر ليلة الأربعاء والخميس، دأب (السيد: نادال) على الحديث بصوت المطر، ومن ثمَ التفكير كصوت المطر. تمنى لو كانت جدته قطرة مطر كبيرة، لو كانت حديث ليلة أربعاء ماطرة، لو كانت سمكة سلمون تحيا بسعادة مع ضفادع مستنقعات المطر المؤقتة.

.
.
.

الرائحة الآن .. !

5 March 2007

فيما كان الأصدقاء يشيعونني إلى خارج الوطن، وفيما نحن نتخطى الأماكن التي تعج بروائح العطور والمطاعم التي تطلق دخان طعامها المشوي دونما رأفة بالجياع على جنبات الطرق، وعوادم سيارات النقل، ورذاذ مطاحن الحبوب التي يعمل عليها رجال لهم روائح أخرى نتنه، وقبل أن أحمل معي أي (عفش) زائد خلال سفري، كانت رائحة أمي وخلائطها الشعبية هي رائحة الوطن، ورائحة كل شيء، تحديداً أعواد الريحان الخضراء، وزهورها الجنوبية ذات اللون الأصفر على ( مسفعها ) ذي النهايات المتهدلة والمتلونة بالأحمر والأخضر، وعطرها الشعبي الذي حملتهُ معي في زجاجة متوسطة الحجم، كنت طوال الوقت أحمل الوطن داخلها، أحمله مثل وثيقة ملكية، وأضعه على تسريحة كل فندق قبل كل شيء، أعود لأحمله معي في اليوم الآخر إلى مدينة أخرى وإلى فندق جديد. أو نُزل تافه يعج بالساقطات والعازفين المتجولين.

 

كانت رائحة المطار قوية أول مرة، في الوقت الذي يخبرني العامل البنغالي في أحد أكشاك الأطعمة الجاهزة داخل صالة المطار بأنه لا يستجيب دائماً لطلب الزبائن الراغبين في شرب ( دايت بيبسي) لأن ذلك يستغرق منه وقت أطول من غيره، حيث أخبرني بلهجة مكسرة بأن الغازات التي تخرج لكأس واحد من الماكينة السوداء الموضوعة بعناية على الجانب الآخر، تحتاج لضعف الوقت الذي يحتاجه كأس مشروب آخر، في ذلك الصباح تكرم البنغالي وسكب لي كأس كاملة. تحدث خلاله عن النساء اللواتي يعملن في الخطوط الأجنبية، وكيف انهن يأتين بملابس فاتنة وأجساد مصقولة، ثم تحدث عن طائرتي التي نامت الليل كاملاً بجوار كشكه، ثم عاود الحديث عن الخطوط البنغلاديشي، فعلاً لقد كان وقت طويلاً، أطول مما يحتاجه أي مشروب آخر.  بدا لي وهو يناولني الكأس بأنه قضى ليلته الفائتة محاولاً التعرف على هذه الخطوط، التي لم يرها سوى هذا الصباح، بعد اشتعال الصباح بشمس الرياض الحارقة.

 

لم تكن صالة سفر محلية كالعادة في مطار صغير يخدمه مدرج صغير يتسع لطائرتين على الأكثر، هذه المرة كنت على مشارف مطار يتكون من صالات سفر محلية وأخرى دولية، وصالات رجال أعمال، وصالات تخص الأمراء وخدمهم ومحظياتهم. كانت صالات كبير يدخلها رجال يركضون على عجل يلجون إليها من كل الأبواب، يحاولون أدراك طائراتهم التي رحلت بالفعل إلى كل مكان، وأطفالاً يبكون (يظهر لي أنهم تائهون) ونساء لا يجدن وسيلة لإجراء مكالمات هاتفية دون طلب مساعدة، كان المطر كبيراً عليّ، وأكبر من ضجر المراهقين الذي يرافقون عائلاتهم، أكبر من ظل الطائرات الصباحي الذي تطبعه الشمس المائلة على واجهات صالات السفر الزجاجية.

 

هذه المرة كنت أحمل جواز سفر أيضاً، ليس مزوراً بكل تأكيد، وليس دبلوماسياً، يحمل صورتي البائسة، أتذكر ذلك الصباح حين هممت بصنع ابتسامة على وجهي أمام عدسة المصور، لولا اني سمعت غالق العدسة قبل وضعها كاملة على فمي الذي علاه شارب غير مهذب، لذا حتى هذا اليوم تظهر صورتي بنصف ابتسامة، وحتى حين أداهم جوازي وافتحه بسرعة أكون بنصف ابتسامة وكأني أسخر مني، لقد طال الوقت على تغيير هذه الصورة الآن، لم يعد شيئاً مهماً خصوصاً بعد أن نفذت رائحة ورق الجواز المقوى، وبعد أن هاجرت مع كل المسافرين الذي ينتظرون بملل الآن روائح هذا الزمن.

 

أذكر أن صديقي منصور قال بأن هناك رائحة مميزة للمطارات، ولست أكيداً ما إذا كانت الرائحة التي  ظهرت لي الرائحة هذا الصباح على هيئة رجل عُماني يعتمر عمامة تشبه كتب التاريخ وهارون الرشيد وأبي جعفر المنصور، ملونة كقطعة بلور مكسورة يخترقها شعاع شمس صباحية خجلة. كانت رائحة نافذة بشكل ملفت، ومتلونة كحرباء، تشبه قالب بسكويت ساخن، ونكهة فانيلا، ويمكنها أن تكون رائحة بيتزا، او تشبه رائحة قهوة سوداء في كوب ورقي، وحين تتجول قليلاً بصحبة حقيبتك في المطار تجد أن الرائحة ذاتها يمكنها أن تكون رائحة إبط كريهة لرجل ستيني، او رائحة جوارب نتنة لرجل يلبس ملابس رياضية وفيما يبدو أنه ينتمي للمنتخب الوطني، او رائحة وطن يبتعد أكثر فأكثر كلما أطلت بقائك بعيداً عنه، رائحة الوطن كانت الرائحة الأكثر حضوراً ضمن سلسلة الروائح

 

رائحة الوطن لاذعة كلذعة بطارية جافة وضعت على لسان رطب، ومخادعة كخدعة رجل كبير يحاول إغراء طفل على وضع طرف البطارية الجافة على لسانه، حيناً نظنها لا تبعد أكثر من مسافة شارعين من منزلك الجديد، ودائماً ما تجوب شوارع مدينتك الجديدة تبحث عن رائحة مألوفة، لطبخة محلية عفنة لطالما شممتها وأنت تتفقد معدتك ، او لعطر شرقي رديء كان يضعه شخص ظل يصلي إلى جانبك طوال طفولتك، او لخمج كنت تشمه كل ليلة وأنت تمر بطريق سريع بمحاذاة مصب مجاري الرياض، كم يبدو ذلك الوطن شبيه برائحة الوطن،  أحياناً تشعر بأن وطنك ليس سوى قذارة، غيمة روائح سوداء معتمة مستحيلة المطر، الوطن الذي يظل يبتعد .. يبتعد .. يبتعد كغيمة سوداء معتمة مسيتحيلة المطر!

 

 

مسقط

2007-02-23