فصل آخر .. في حياة (الرجل الذي لا يشبهُ نفسه كثيراً)
5 February 2007

كان الإعلان مقتضباً ” الحضور حالاً للرجال الذين يشبهون أنفسهم”
كنت حتى ذلك الحين أنتظر تأكيداً على كوني من الرجال بالدرجة الأولى، قبل أن تستوقفني عبارة يشبهون أنفسهم، فكل الرجال الذين أعرف لهم صور تشبههم كثيراً، صور هوياتهم الشخصية، جوازاتهم، ومن ثم صور حفلات تخرجهم وهم يعتمرون قبعاتهم السوداء، كان لزاماً عليّ تذكر صورتي الأخيرة التي تحتمل شبهي، ثم كان من اللائق التبسم في وجهي الذي أريد له الظهور كما أنا عليه، لئلا تخرج صورتي عابسة، كطعم برتقالة فاسدة، ومترهلة بخلاف وجنتي الشابتين الفتيتين، كان شيء ما يحدث داخل غرف تصوير الدنيا، ومعامل تصوير الله، شيء لا يريدني أن أشبهني.
كان اعلاناً قبل كل شيء، وأعني مالذي يجب أن يكون عليه، مخضباً برائحة الورق، ليهرع كل من يقرأ الإعلان لتفقد صوره القديمة، وأنا حين أتفقد وجهي كل مساء أعرف أنه يفقد الكثير باستمرار، فهناك ما أفقده باتجاه الشمس كعود ثقاب، وهناك ما يحمله المسافرون معهم من ملامحي ليتذكروا خيبتهم مع هذه المدينة التي تشبهني كما يقول الأصدقاء، وهناك جزء تحمله أخواتي باستمرار في محافظهم النسائية الرقيقة على شكل صور متفرقة، بجانب النقود، لذلك لا أستغرب في القريب العاجل الشبه الذي قد تحمله صوري وبين صور الملك فهد المرسومة على الدوام على النقود، المهم بالفعل هو أني دائماً أسعى إلى تحقيق تلك الصورة التي تشبه انعكاس المرآة على الدوام، دون خطوط تقاطع، دون مثلثات، ودوائر، أبحث عن الشكل اللامنتظم الذي أحمله دائماً فوق عنقي.
جلسنا مصطفين، كنا ثلاثة (أنا ورجل نصف أفريقي و نصف رجل آخر) على مقعد خشبي طويل، الكرسي الذي تكرر ذلك الصباح في الجامعة، ثم انتقلنا معه إلى المطار، عند بوابة السفر رقم (25)، بدا وكأننا نجلس في (وانيت)، ونسينا في الحال كيف يمكن لأحدنا الوقوف، على الأقل الشخص الذي يحكي القصة، ومع ذلك واصلنا الجلوس بذات الطريقة، لنستمع لأحاديثنا دون معرفة شكل الملامح التي ترتسم على من يحكي القصة، في البدء كنت أنظر في الجزء القريب مني للرجل الأفريقي، كانت عيناه تلمعان أحياناً، ويبتسم حين يأتي على ذكر فتاته أو فتاة فاتنة يسهب في وصفها، وما أن ينتقل الحديث إلى النصف رجل حتى تنعدم الرؤية تماماً، إذ يعيقني قصر قامته بالإضافة إلى أنف الأفريقي الكبير، لأكتفي بسماع حديثه الذي اكتشفت تكراره بعد مرور أسبوعين فقط. خلال أسبوعين نسيت تماماً أمر الإعلان، وبدأ الأمر من جديد، رجل في منتصف طريق متشعبة يبحث عن وجه مألوف، أو ظل، ووجدت نفسي منساقاً لأحاديث صاحبيّ ولبقايا الخد الأيمن لجاري على الكرسي الخشبي الطويل. بعد أسبوعين أيضا كانت رقبتي تؤلمني على نحو متقطع. وقررت عدم متابعة جاري اللصيق بي على ذات الكرسي الخشبي الطويل، وتابعت حركة يديه المروحيتين،كانتا تجيئان وتذهبان ,تحملان معهما شيئاً من الهواء وتحجبان أحياناً الضوء، لقد كان مسرحياً جداً، لولا رداءة صوته حين يبدأ في الكذب، إذ يتغير صوته فجأة وتبدأ يداه تتعرقان، كنت أرى العرق يتقاطر من أطرافة وكأننا وسط المطر.
لم نتغيب عن الكرسي الخشبي الطويل يوماً، كنا نجيء كل يوم، ونجلس كما لو كنا نفعلها للمرة الأولى، أحياناً نتحول لمحليين يستمعون لرجل غريب ينتظر حافلة المساء التي ستحمله بعيداً عن هؤلاء الفضوليين، الذين في نهاية الأمر ليسوا سوى نحن!. وأحياناً نتحول لغرباء يستمعون لعرض سياحي تقدمه امرأة ممتلئة لها نهدان يظهران من خلف ثيابها الضيقة، وحين وجدنا أن أحاديثنا مملة، تبادلنا الأماكن، هذا ما أتاح لي رؤية نصف وجه جديد لرجل آخر لا يجيد الكذب، في ذلك الوقت كنت قد نسيت النصف الأول كما نسيت أمر الإعلان. لقد فقدت بداعي النسيان كذلك الكثير من القصص التي يمكن سردها على الكرسي الخشبي الطويل، فقدتها وفقدت أصحابها، فقد ملامحهم وعناوين عملهم، كانت الحكايات تتبخر، والصور تُنتزع مني، ورغم أن الوقت كان مبكراً لانتهاء يومي إلا أني فعلت ذلك وتركت مكاني فارغاً لبقية اليوم.
انتبهت لـ يديّ تتعرقان صباح اليوم الآخر على الكرسي الخشبي الطويل، وإلى مكانين فارغين فيما أواصل أنا الحديث كمن يعوض ما فاته ليلة البارحة، لم أستطع التوقف عن الحديث ولا عن إيقاف العرق الذي يصب بكثافة وكأنني في منتصف المطر، كان المكان ينفتح على السماء شيئاً فشيئاً والكرسي الخشبي الطويل، ينتقل إلى كل مكان، وكأنه يبحث عن مؤخرة او اثنتين تجلسان عليه، لقد شعرت به يرتجف بي كمن يشعر بالبرد او بحكة جلدية، كان المكان الفارغ بجنبي يحتفظ بحرارة مؤخرة جاري ورائحة عفن تخرج من صلب الكرسي كلما أصابته رعشة برد أو كلما شرعتُ في حديث جديد.
عاد الإعلان مرة أخرى” يرجى الحضور حالاً للرجال الذين يشبهون أنفسهم” ، فيما رحت أفكر بهدوء الرجل الذي يشبه نفسه، لقد تغير الإعلان، يبدو أن أحداً لم يستجيب للمعلن، فبدا أكثر لطفاً، أين يمكن لكل الذين تتشابه صورهم المخبئة تحت وسائد أمهاتهم أن يذهبوا، لا يجب أن يتخلفوا وإذا ما تراءت لي صورة شخص يعبرني او صوت نقر خفيف لقدم رجل يأتي من آخر الممر بددته نوبة سعال أخرى، وخرجت من صمت الرجل الذي يشبهه نفسه لـ أجدني رجلاً لا يشبهه نفسه كثيراً، وأحياناً أكون ذكر البطة السوداء الذي لا يشبه نفسه على الإطلاق.
.
لازلت اركض خلف اعلانات مشابهة، ظناً مني بأنها ستخصني، جبتُ كل شوارع الرياض، والآن أركض أكثر في كل اتجاه، في الليل، في النهار، في الفجر، في كل مكان، على الأسوار، وفي الأسواق، وبين المقاهي، وعبثاً أفقد الشبه، أحيانا أمر بكراسي خشبية طويلة، لم يبق شيء لي وسط هذه الاعلانات التي لا يستجيب لها أحداً، لم يبق إلا أن اصرخ لأستيقظ.
هذا الصباح أصابتني نوبة بكاء، نتيجة تجمد أطرافي، فتيار الهواء اشتد فجأة على أصابعي المتعرقة، وحين لامس الهواء الجاف بلل أصابعي تحول بكائي إلى سعال مصحوب ببلغم، لذا بدأت انفث ما يجتمع في فمي في كل مكان، وأحيانا يقع على الكرسي الخشبي الطويل شيئاً من هذا السائل الأخضر اللزج، فـ يهتز الكرسي، وتنفرج قدميه حتى يكاد يلامس الأرض. استمرت نوبة السعال حتى ظننتها لن تقف، فقد كان الحديث يجتمع في رأسي، قصص جديدة وفدت وأخرى لأناس يجيدون سرد القصص، جميعها اختلطت بلزوجة البلغم واستوت على صوت السعال الحاد. نعم لقد كان سعالاً حاداً يستحيل أن يقف.
انتبهت حين توقفت عن البكاء إلى أن السعال توقف كذلك، فعدت للحديث إلى الكرسي الخشبي الطويل، كان حديثاً شيقاً لي أولاً ثم للكرسي، ما بين الاقتضاب والإسهاب، فتوقف الكرسي عن الحركة، فيما أغمضت عيناي مواصلاً حديثي، ومحركاً يداي كمروحتين عاجيتين، رغم كل شيء ورغم العرق على أظافري واصلت حديثي وتواصل العرق، والمدى يتضاءل أمامي، فلا أكاد أرى الزجاج ولا الذي يليه، والشرفات المطلة ترحل كذلك، دون توقف والعرق الذي كان يخرج من أصابعي انتقل إلى جبيني، ووجهي، هو الآن يملأ عيني فيعودني البكاء، وتبدأ نوبة سعال أخرى ومن ثم بلغم، ويبدأ الكرسي الخشبي الطويل في الاهتزاز من جديد، وتعودني الرياح الجافة فتصيب وجهي هذه المرة.
هذه المرة أبكي لأني لا أفقد شعوري بوجهي و بملامحي، لا يعنيني السعال ولا البلغم، أبكي لأن صوري القادمة لن تكون ذات جدوى، مع أنها ستكون متشابهة جداً، حد التطابق، أبكي لأن الاعلان سيظهر في الفواصل الاعلانية بين المسلسلات، وعلى (أكياس) المحلات الكبرى، وفي صفحات الجرائد، أبكي لأن لا أحد سيجد طريقة مناسبة لإجابة النداء.