(هذا) .. الغريب الذي نعرفه جيداً
24 November 2006

في كل ليلة أعود فيها إلى رشدي .. أقول: إلى متى يستمر (هذا)!
أنا لا أعلم ما هو (هذا) الذي لا يجب أن يستمر على هذا النحو، لكن طرقاً خفيفاً يأتي من العمق الكامن ( فيني) يُلح في التحرش بـ (هذا).. ولهذا السبب أجد أنه مما يتعين علي شرح كل ما يكون في الليالي التي أعود فيها إلى رشدي.
في البدء يكون الـ (هذا) مجرد ريح خفيفة تهب من النوافذ المشرعة على الشارع الأمامي، وهو ما يمكنني صده أو تحويله بإغلاق النوافذ، أو بالانتقال إلى غرفة أخرى لا تُطل على الشارع إياه، لكني حين أذهب هناك تكون الريح قد سلكت طريقاً آخر باتجاه الشارع الخلفي، في ذلك الوقت أكون مضطراً إلى غلق النوافذ كلها.
الـ (هذا) لا يستسلم، إذ يصبح حينها ضوءً اصفراً في منتصف الليل، يخترق النوافذ، ويتسرب من شقوق الباب ومن كل ثقب، وحتى مع إصراره هذا، أجد الوقت لإسدال الستائر الثقيلة على النوافذ ولحشوا أسفل الأبواب بقطع القماش القديمة.
لكن حين يتحول ذلك الشيء إلى صوت حاد يخترق النوافذ المغلقة والستائر المسدلة، وقطع القطن التي أضعها في أذني، الصوت الذي يهتف بأسماء قديمة، ويصرخ أحياناً بتفاصيل منسية، بأسماء حدائق كنت ارتادها، ينفض ذاكرتي أمامي، يفضحني ويعريني ويقتلني ببطء، يكسرني.. وكثيراً كثيراً يصيبني بالموت.
حين يكون الصوت، أتحول لطبلة أذن، تعي حقيقة الصوت ولكنها لا تجيد الخوض فيه، لا تعرف مصدره مع إنها تميز صاحبه، ودائماً تشير إلى المكان الصحيح لمكان وجوده، لكن دونما قدره على المشي إليه، دونما وعي بما أريد بما يتعين علي فعله كردة فعل.
الصوت هو مالا نستطيع ردعه على الدوام، الصوت الذي يصدر من الداخل، الذي يحمل روائحنا النتنة، ويحمل بقايا الطعام الذي لم يهضم بعد، المختلط بكذبنا حول ماذا نريد، وماذا كنا، وإلى أين سنذهب هذا المساء، الذي يخرج من مؤخراتنا والذي يصدر عن عمليات سوء الهضم، الصوت المصاحب للمضاجعة وللاستمناء، ذلك الشيء الذي يعلوا كل صباح، وصوت الله وصوت الشيطان، الأغاني القديمة التي تجول في دواخلنا لترمم أو لتهدم بقايا الصور في رؤوسنا، أصوات سقوط المطر، أصوات سقوطنا في المطر، أصوات بكائنا وانتحابنا في الثلث الأخير من الليل ومنا، أصوات الأصدقاء الذين نفتقدهم، أصوات فرقعة أصابعنا في الفصل، ووقع الأقدام في ممر طويل لا نعرف إلى أين يسير بنا، أصواتنا التي فقدناها ولم نطالب بها، أصواتنا المسلوبة على مرأى منا، أصواتنا المسلوبة على مسمع منا، أصواتنا التي لم تعد لنا…….