منع من ظهوره الموت
25 April 2006

مشينا الطريق لأنه يخصنا منذ البداية، قبل أن يكون المكان وقبل أن نكون، قبل أن تكون هذه الرائحة، لقد مشينا الطريق من أوله، مر علينا خلاله رجال كثيرون، يضعون عمائمهم على وجوههم، ثم مرننا برجال اقل، ثم بمجموعات اقل، ثم صادفنا رجلان يافعان يضعان يديهما على أنفيهما، واخيراً مررنا برجل طويل، أسمر عليه غبرة يضع كمامة على أنفه.
******
قبل أن نكون، كنت أنا وكانت أمي التي وجدت الرائحة في ملابسي، تقول انها وجدتها بعد ذلك في غرفتي، مختبئة في خزانتي، ثم تمردت على الخزانة وخرجت، إلى الغرفة، كسرت زجاجة عطر في اليوم التالي داخل خزانة ملابسي، وزجاجتين في زوايا الغرفة، وزعتهما بالتساوي بين الزاويا الست، أذكر اني وجدت قطرات عطر داكن على قميصي الأبيض، فأحدثت بقع صفراء باحجام متفاوته في اماكن مختلفة، ثم حان دوري لأجدها مختبئة في ملابسي الداخلية، وفي غرفة النوم، وفيً، قبل ان تختفي.
عادت الرائحة حين ظننت أنها رحلت، ظهرت على شكل غيمة سوداء وانا مستلق امام التلفاز، تحديداً حين سمعت كلمة (ضمير) في مسلسل مصري، وقتها شممت رائحة عفن – كرائحة فمي في الصباح، كرائحة قدمي كل وقت- وهي التي دفعتني لإنزال قدمي عن الكرسي، ولما استمرت الرائحة نزعت جواربي، فاختفت الرائحة من جديد.
في نفس الوقت وبنفس المكان، وعند ذات التلفاز عادت الرائحة، دون أن البس جوارب، او ارفع قدمي، فظننتها رائحة المصريين، ثم تجنبت لقاءهم في الجامعة، وفي المقاهي، وفي ورش العمل والمساجد، تكرر معي في أيام أخرى عند مشاهدتي للمسلسلات السورية، ومؤخراً في الخليجية، أمتد كذلك إلى الأفلام الأجنبية وأنا اقرأ الترجمة وحتى بعد معرفتي لمعنى الكلمة باللغة الأنجليزية.
لم تكن هذه الكلمة تتداول في بيتنا، لم تكن تقال في الشوارع القريبة، ولا في تلك البعيدة، ولا في القرآن، لا يمكن سماع عامل البقالة يقولها، لذلك ارتبطت الرائحة بي ثم بغرفة الجلوس، ثم بكل الأشياء المفتوحة، ثم بالمقاهي، وظهرت مرات أخرى في غرفة انتظار مرضى، بها تلفزيون اسود مرتفع فوق رؤوس الرجال، وعلى بعد مناسب عن غرفة انتظار النساء، عادت هذه المرة قوية، ولمّا امتزجت برائحة دماء المرضى تحولت إلى صداع، وغثيان فمتلأت غرفة الطوارئ أكثر من اي وقت سابق.
تكرر ذلك في الاستراحة، امام شاشة التلفاز الجديدة، في المرة الأولى لم اكن لأتبين الرائحة، مع كثافة الدخان الذي اسحبه بعنف من الارجيلة التي أمامي، في المرة الثانية غيرت (اللي)، وفي الثالثة غيرت الشيشة – الثالثة التي لم تكن ثابتة كما اسمع-، في الرابعة بدلت نوع المعسل الذي أدخنه، في الخامسة جربت ان ادخن سجائر، جربت بعدها سيجارً كوبياً، وغليون قبل ان اقلع مؤخراً عن التدخين - لأنني استفرغ كثيراً-.
زرت عيادات اطباء، وبيوت عرافين وسحرة، زرت رقاة شرعيين، وآخرين دجالين، صليت في الحرم، شربت زجاجة كولونيا، فسكرت وأصبت بمغص شديد لأنها مغشوشة، شربت زجاجة اخرى لنوع جديد، سكرت كذلك ولم اصب بمغص او إسهال، مع ذلك لم تختفِ الرائحة، أكلت ثوماً اكثر، بصل، فتحت ثقباً بواسطة سكين رفيعة في بطني، ليمر تيار الهواء ويأخذ معه هذه الرائحة، لكنها ظلت تجيء.
******
بعد أن كنت، كانوا هم، فتحوا النوافذ كلها، ثم زرعوا نباتات في الحدائق، ولماّ لم تذهب الرائحة، زرعوا نباتات أكثر في النوافذ، ثم زرعوا أكثر من ذلك في المجالس وفي غرف النوم، منهم من أختنق أثناء نومة لقلة الأوكسجين، ثم تعفن، وخرجت رائحة كريهة، فكانت تذهب سريعاً، وتختبئ تحت رائحة أعمق، رائحة لا يزيلها المطر ولا سوائل التنظيف.
زارو اطباء، وعرافيين، ورقاة شرعيين، وكهنة، وشربوا الكثير من زجاجات الكلونيا وسكروا كثيراً، وفي المساء ناموا، وحين استيقظوا كانت الرائحة أشد، فشربوا زجاجات كلونيا أخرى ولم تذهب الرائحة هذه المرة، ولم يناموا كذلك. وفي الصباح رحل رجال كثير ذوو عمامات طويلة، عصبوها على روؤسهم، وفي الظهيرة رحل رجال اقل، ثم رحل رجلين يافعين، حتى رحلت أنا، الرجل الطويل الأسمر، فتلاشت الرائحة من ذلك المكان.

