هناك برد لا يحتمل يطرق نافذتي الآن، هناك خلف الأبواب اصوات قطط تعبث بقمامتي التي وضعتها للتو امام باب شقتي، هناك في الخارج أصوات لزخات مطر تجلد نافذتي بلطف.
وبمناسبة الحديث عن المطر، والحديث عن الزخات، يؤسفني أن السماء في الرياض لم تمطر بعد، يؤسفني أن لا يكون في شقتي الجديدة في عمّان مكيف، يطل بثلثيه إلى الخارج، ليتلقى زخات المطر القوية والخفيفة على جسده الحديدي، ويحول ذلك الطرق المنتظم والذي يشبه كثيراً طرق الأبواب الحديدية، يحولها إلى موسيقى كونية بديعة، لا يجيد عزفها إلى السماء، لتشتعل فيّ حماسة الرقص، وتشتعل الأجساد المحمومة بالمطر والضباب، وروائح الطين بالتمايل .. ويرقصون.
كن يتمايلن دون ان يعتريهن تعب، لا أعلم من الذي يخلق الضباب بهذه الكثافة في الأرجاء، ولا حتى من يقحمه في ملابسهن الداخلية، التي يظهرها الانفعال مع كائن الإيقاع الصاخب على صفيح المكيف، بقيت هكذا أسحب الضباب ودخان السيارات المنبعث من فتحات النوافذ إلى رئتي، أكومه هناك، ثم انفثه بكثافة أمامي، لدرجة تنعدم معها الرؤية، وأنتظر اللحظة التي يبدأ فيها الضباب بالتخاذل، ثم ابحث عن الراقصين، والراقصات الجيدات.
كان الجميع في الشارع والشقق المجاورة، والعمارات، والمدارس، والمساجد، والكنائس يفعل الشيء ذاته، وكأن الفتيات الاتي يرقصن بصحبة اصدقائهن يتفادين البرد والضباب، ويمرقن بين خيوطه، بطريقة تدعو للتأمل، ولم اكن استطيع اللحاق بتمايل الأجساد المرنه أمامي.
في البداية كنت انقل بصري كالمجنون بين اكثر الخصور مرونة، ثم إلى الاقل، حتى أكتشفت بأن الكثير من الفتيات الصغيرات، وحتى النساء الكبيرات يملكن قدراً لاباس به من المرونة، ما دفعني لتبطيئ حركة الاجساد في راسي، مع الأحتفاظ بإيقاع الموسيقى السريع والمرتفع، وبدأت اركز.
كن يرقصن ببطء، واستطيع التنبؤ بالحركات التالية نتيجة هذا البطء الذي اقترحته لهن، لولا سيارات الأجرة التي تشق هذه البطء بحركتها السريعة، غير عابئة بالحفل الكبير على شرف المطر، ومن هذا المكان كان الله يخرج النساء الجديرات بالخفة، جلست كمن يفتح للرقص ذراعيه، بي غصة الحركة،اغري العفة بجلوسي الطويل، وابحث في التفاصيل الصغيرة التي لا تحجبها الملابس الفضفاضة لهن، وأبحث عن أنثاي الموعودة على كل عتبة، وفي كل نافذة مفتوحة أمامي، قبل توقف المطر.