أرشيف شهر December 2005

أكثر من سيناريو لرجل يرى الثلج للمرة الأول

26 December 2005

 

 

 

تعتمر قُبعة صوفية بُنية، وتغطي يديك بقفازات سوداء ثقيلة، تنظرُ باستغراب إلى (الكائن) الثلج على الأرضيات، وعلى حوض الأشجار المنتشرة أمامك، الذي لا يشبه ذاك الذي تراه في ثلاجات الآيسكريم، أو فوق اللحوم المجمدة، لا يشبه أي ثلج قد تراه في غير هذا المكان، ثم تقرر الإنحناء، أو الجلوس على قطعة كرتون تقوم بسحبها من الجوار لتقترب منه على أستحياء، فيما الهواء البارد القادم من الخارج يواصل (لطم) وجهك المحُمّر كلما أقتربت من الأرض.

أنت الآن على مقربة من الثلج، يداك لا تزالان في القفازات، وهما متعرقتان كذلك بسبب سماكة القفازين، والكثير من الأسئلة تقترحُ عليك سينوريهات عديدة لما قد يحصل، لما قد تفعله، والله هو الشاهد الوحيد على دهشتك.

1- الثلج بارد جداً، أبرد من الذي قد يكون في الثلاجات، لذا ستكتفي بالنظر إليه، وربما جمعته بقدميك الدافئتين تحت جواربك وجزمتك السوداء، ربما صنعت تلاً صغيراً، وقد تنتبه بعد دقيقتين فقط إلى أنك تلبس قفازاً جلدياً، لا يؤثر عليه اللعب ببعض الثلج، فتمتنع فوراً عن العبث مع الثلج بقدميك، وتفكر في صنع رجل الثلج، حينها ستشعر بالبرد أكثر لأنك فكرت في فتح باب ثلاجتك، والبحث عن جزرة ما لتكون أنفاً مناسبةً لرجل الثلج، وستكف عن التفكير بهذه الطريقة بعد تطلعك إلى الجوار لتجد أن الثلج لا يكفي لصنع قدم واحدة من الرجل الموعود.

2- الثلج ليس بتلك البرودة، يمكننك احتماله، وقتها تنزع عن يديك أحد القفازين، ستكون اليمنى تحديداً، وستصنع كرة ثلجية وترمي بها إلى الباب الزجاجي، سيعجبك هذا المشهد، فتعيده مرتين على الاقل، بعد ذلك تبحث عن مكان نظيف، لم تصل إليه الأقدام حتى الآن، وستجمع بعض الثلج في راحة يدك بعد أن ترتدي القفاز من جديد، وتأكله ببطء، وترسم على وجهك إبتسامة أطفال وتمضي.

3- لن يروقك الثلج كما كنت تحلم، أو كما توقعت، وليس كما تراه في الأفلام، أو كما يحكيه الأصدقاء، فتفكر في العودة إلى شقتك لارتداء ملابس أكثر، وجوارب أثقل، وتبحث عن (الشال) العنابي الذي لا يناسب ملابسك، وتعود مسرعاً لتأخرك، لتتزحلق على الأرض الثلجية، وتسقط بقوة على مؤخرة رأسك، وتموت مباشرةً.

4- تخلع ملابسك، وتتعرى تماماً في هذا الوقت المتأخر من الليل، على خلفية أن الجميع نائمون، وتبدأ تتمرغ في الثلج الناصع، أنت الآن عارياً (جداً) من كل أحمالك القديمة، وأمنياتك الصغيرة المتعلقة بالثلج، كل أجزاء جسدك الأمامية تلامس الأرضية المتثلجة، في تلك اللحظة تسمع أقفال أبواب تفتح على عجل، وأصوات أقدام تنزل الدرج مسرعة، وفيما الثلج يشل قدرة أعصابك، ويجعلك عاجزاً عن القيام بأي حركة للاختباء مؤقتاً حتى يمر الشخص القادم، تقوم بتفكير سريع لصناعة الكثير من الأسباب التي قد تحتاجها لتبرير موقفك، وأنت تدفع تهمة خلوتك غير الشرعية بأنثى الثلج في هذا الوقت المتأخر، تهمة ممارسة العادة السرية: بالثلج.

5- تفكر في حمل بعض هذا الثلج والأحتفاظ به في الثلاجة، ومن ثم تقوم بحمله معك إلى بلدك التي لا تحتفي بالثلج، تعود إلى شقتك وتبحث عن شيء يلائم الثلج، في البداية بحثت عن إناء معدني (نظيف) ولم تجد ما يناسب، وها أنت تتنازل شيئاً فشيئاً لتبحث عن إناء آخر بلاستيكي، ثم زجاجي، أو (كيس) من النايلون، ولا تجد شيئاً، وأخيراً تبحث عن أي شيء نظيف، ولا تجد، بعدها يصيبك شيء من الكدر فتلعن الثلج، وتلعن نفسك، وتلعن بلدك التي لا تعد بالثلج.

6- لا تدري بأن هذا الذي تراه هو المدعو “ثلج”، لذا تمضي متجاهلاً البياض أمامك، وقد تبرر لنفسك لاحقاً إذا اكتشفت ذلك عن طريق التلفاز، أو من خلال حديث جانبي مع الأصدقاء في اليوم التالي، وتقول: جئت من الصحراء، هناك لا نعرف إلا المطر والتراب، ثم تخرج بسرعة لتبحث عن ما فاتك في الأماكن الممكنة، في الزاويا، وعلى زجاج السيارات، وفي أحواض أشجار الزينة أمام أبواب البنايات، لولا أن الشمس أفطرت باكراً هذا الصباح على وجبة الثلج الدسمة.

7- تتبادر إليك صورة فتيات الرقص على الجليد، ويتناهى إلى مسمعك صوت موسيقى خافتة، ورجال يتزلجون بسرعة على الجليد، ويحملون على سواعدهم نساء رشيقات، يؤدون رقصات مشتركة، تنقل نظرك بسرعة إلى الخارج لتتأكد من الأرض في الجوار، وما إذا كانت تسمح لك بقضاء وقت قصير للتزلج، رغم علمك بأنك لا تملك حذاء التزلج الخاصة، ولا تجيده حتى، وقتها ستعيد التفكير في عجزك عن القيام بتلك المغامرة، لأن الثلج ليس بتلك الكثافة، ولا يوجد جليد على الإطلاق، وتواصل طريقك.

8- تتوقف طويلاً أمام بعض ندف الثلج المتجمعة في أركان العمائر، طويلاً.. لمدة ربع ساعة، أو أكثر بقليل، المهم أنك بعد أن تستفيق لا تعلم فيما كنت تفكر، ولا تدري إلى أين تتجه، أو من أين أتيت، وهل كنت في طريقك للعودة إلى منزلك أو تنوي الخروج، تقرر بعدها العودة إلى المنزل وتناول كوباً من الشاي الساخن، وتاوي إلى الفراش.

9- تفرح لأنك تراه لأول مرة، وتقوم بالإتصال بأحد أصدقائك لتخبره بأن هناك شيء ما ينتظره في الخارج، تنهي المكالمة وترقص بخفة على البساط الأبيض، وتغني أغنية قديمة لـ( وائل كفوري) تتعلق بالثلج، وتخطو خارج أسوار العمارة، ظناً منك بأن الثلج لا يزال يتساقط كما في الأفلام، في ذلك الوقت يهاتفكَ الصديق إياه ليخبرك بأنه لم يجد شيئاً ينتظره، ولم ينتبه حتى إلى أن السماء تُثلج ذلك المساء.

أشياء مفقودة.. أشياء يسمونها الساعات

15 December 2005

 

 

 

الجميع يعلم أنني الآن على بعد الآف الأميال عن منزلي، يعلمون انني لا أستطيع إيقاف سيارتي في ظل اشجارأحد الجيران، ولا أستطيع أن اطرق باب احدهم بإيعازٍ من أمي، إما لإستدعاء أختي منى أو وفاء (بالتأكيد ليست ندى او مها، لأننا لم نعد مسؤولين عنهما بعد زواجهما)، أو لأن أمي ينقصها بعض الملح والطماطم، وكلهم يعلمون أن الوقت الذي سأستغرقه للوصول إلى بيتي طويلٌ جداً، حتى لو قررت الإنطلاق في هذه اللحظة، سأستغرق ساعة كاملة حتى (أوضب) حقيبتي وأستقل سيارة أجرة إلى المطار، وثلاث ساعات في الطائرة حتى الوصول. وهذا تحديداً ما حدث!!!

..
بدأ الأمر وأنتهى بي وأنا أحاول تذكر أي ساعة إستوقفت الرجل ذو الشارب الكثيف، الذي يقود سيارة الأجرة الصفراء، السيارة الجديدة نسبياً، التي تنبعث منها أغنية لا أعرفها، تماماً عند باب العمارة التي أسكنها، هكذا بدأ، وأنتهى حين تأكدت أنني أجمع كل هذه التفاصيل الصغيرة، وأجهل فعلياً متى أستقليت سيارة الأجرة، كنت سـ أسأل السائق كم يستغرق الوقت عادةً لتصل إلى المطار، لكن ذلك لا يجدي نفعاً الآن، إذ دخلنا في ثلاث أزمات مرورية طويلة، بالإضافة إلى أن ساعة السيارة معطلة، ولا اري اي ساعة أخرى على معصمة، كما يبدو أنه لا يملك هاتف نقال، وهذا ما أضطرني لتجاهل هذه الرغبة الملحة في معرفة الوقت.

لحظة وصولي إلى المطار كانت هناك ساعة ضخمة، يتوسطها شعار فيما يبدو أنه لشيء مشهور، كانت تشير بهيبة إلى الساعة الثامنة مساءاً، وبدا الجميع كأنهم يهربون من شيء ما، لم أكن أرى معاصم عارية تحمل ساعات مذهبة، ولا فضية، ولا حتى بلاستيكية، فيما الأغلب يلبسون معاطف ذات أكمام طويلة، تفوح منها رائحة الصوف، رأيت فنانين يضحكون، وشعراء يكتبون قصائد غير موزونة، ومساجين يُقتادون بسرية لئلا يخاف الجميع، رأيت ضباط مباحث يغازلون فتيات يافعات، رأيت الكثير من الناس، الكثير من الحقائب، لكني لم أرى غير الساعة الكبيرة عند الباب الرئيس للمطار.

في الطائرة كذلك، بدأ الأمر وأنتهى وأنا اقرأ الكتاب الذي جئت به، بدأت بالقراءة لحظة جلوسي على كرسي الدرجة السياحية الضيق، ولأول مرة لا اتابع بشغف حركات المضيفات التي تشرح طريقة لبس حزام المقعد، ولا حركة مؤخراتهن وهن يتجاوزنني بإتجاه أحد اطراف الطائرة، بدأت القراءة في التاسعة تقريباً، وأنتهيت لحظة الإعلان عن درجة حرارة الرياض، والتي لا تزال مرتفعة حتى عند الساعة الواحدة صباحاً.

من الجيد أن المذيع الداخلي في الطائرة لم يترك لي الفرصة لتخمين الوقت، كان من الممكن أن تنطلي هذه الخدعة عليّ ذلك المساء، كان من الممكن أن أذهب لزيارة أحد الأصدقاء، لأكتشف أنه نام قبل الآن بساعة، كان يمكنني فعل الكثير، وهذا مالم أفهمه، ذلك الوقت، وحتى الآن، أقلعت الطائرة في التاسعة، والرحلة إستغرقت مني، ومن الطيار، ومن الجميع ثلاث ساعات، لقد وصلنا في الوقت ذاته جميعاً، لكن الساعة الآن تشير إلى الواحدة، بدلاً من الثانية عشرة.

أين تختفي هذه الساعات كلها، فقدت ساعة، وفقد الآخرون على نفس الرحلة ساعة كذلك، والكثير من المسافرين يفقدون العديد من الساعات، كم من المسافرين تركوا الكثير من واجباتهم ورائهم بحجة الوقت، أنا على سبيل المثال لم أشطف الأواني التي ستفوح رائحتها في كل مكان، وسيصعب على جداً دعكها ثم غسلها حين أعود بعد أسبوع، كنت أستطيع الإستحمام على مهل، بدلاً من خروجي من الحمام دون أن يصل الماء إلى الأماكن الخفية المتعرقة في جسدي، كان يمكنني فعل الكثير، كان يمكن للراكب بجانبي أن يستغل هذا الوقت في كي قميصة، ويمكن للأطفال الذين لم ينالوا كفايتهم أشباع رغباتهم دون إلحاح الأمهات، كان بإمكان الجميع فعل الكثير.

مالذي سيؤول إليه الآخرون الذين يأتون من بلادٍ ابعد من تلك التي جئت منها، لا أحتمل فقدان ساعة وحيدة من وقتي، مع أني الأسوء على الأطلاق في حساب الوقت، لا يهمني كيف أقضيها، ولا كيف تنقضي، سواء على كرسي الحمام، او على عتبات مسجد، او في الطريق أراقب فاتنة أنتظر الفرصة المناسبة للإلقاء التحية، وقد تكون الفرصة في هذه الساعة المسلوبة، أريد معرفة إلى أي مكان تؤول كل هذه الساعات، من يستأثر بها دوننا، من يستطيع خلق عمر آخر له عبر سرقتنا هذه الساعات، لا اريد أن اجازف كثيراً في المرة القادمة التي سأسافر فيها إلى مكان بعيد، والكثير من الأسئلة المشابهة التي سمعتها مسبقاً، والتي سأسمعها، (على غرار” أين تذهب الدرجات التي يخصمها المعلمون في المدارس”؟).

وصلت إلى المنزل، أحمل الهدايا، الكثر من الهدايا التي لن تفتح إلا في الصباح، لأن هناك كائنٌ غبي، يسرق مني اللحظات، ويؤجل البسمة على الأطفال