أرشيف شهر November 2005

21 Grams

27 November 2005

 

 

 

لم يكن الموت يوماً قصة أولئك الذين يموتون، بل قصة الأحياء الذين يتعاملون مع الأمر، وحين يكون الموت النقطة الحرجة في حياة الأفلام، والمسلسلات، وفي كافة الفنون البصرية المتحركة، يكون الأكثر إيلاماً على الأطلاق في اي مشهد ممكن، دائماً ما يجيئ كضيف ثقيل، يكسر عنق العاطفة، ويفرض لعبة العزاء على الممثلين، ومهما طال مكوثه، يبقى يعيش حياة الضيوف، يحضر بهيبته كاملته ويرحل بذات الهيبة.
ما أن يتحول الموت إلى عمود فقري في حياة فيلم، فذلك يعني بعداً درامياً آخر، لا يحتمل أي أبتسامة، ولا يترك للمشاهد فرصة إلتقاط الأنفاس، وما أن يبدأ فيلم 21 Gramsحتى ندرك كمية السخط الذي يوجهه لنا، وللحياة المخرج الشاب (أليخاندروا غونزاليس)، فينتقل بنا على أكثر من خيط سردي، ويتلاعب بالساعات والتواريخ الداخلية التي بداخلنا، يبدأها الرائع بول ( شان بين)، بمشهد الحياة وهو بجانب فتاة شقراء عارية جميلة، فتنة الحياة هذه تتحول بفجآئية جميلة إلى رجل آخر يحتضر، وبعد التدقيق ندرك بأنه ليس سوى الذي كان يمتلئ بالحياة في البداية، لا يكتفي المشهد بهذه المفارقات، بل يقودنا الى الهذيان بذات الأشياء التي لا يمكن لغير المرضى ( بول تحديدا) والأطباء النطق بها، فيتحدث عن أشياء كثيرة تتعلق بشعوره حيال ماهو عليه، وحيال الأجهزة الطبية التي تحيطه من كل الجهات، والإضاءات البيضاء الباهته، وهو يقول ( إذاً هذه هي غرفة إنتظار الموت، تلك الأنابيب السخيفة، الإبر التي تنفخ ذراعي، ماذا أفعل في نادي ما قبل الجثث؟).

 

من هذه اللحظة يبدأ الموت حضوره المبجل، ومع ان (شان بين) لن يموت، إلا أن الموت لن يمرر الأمر بهذه السهولة، فلابد من ضحية آخرى، لابد من بديل آخر يموت، يحل مكان بول، الذي يجد أن القدر قد ساق له ثلاثة جثث سويةً يختار منها قلب يناسب جسده وقلبه الواهن، لهذا كان الموت الكائن المؤجل في حياة بول على طول الفيلم.
يشارك ( شان بين) البطولة الثنائي المبدع ( ناعومي واتس-بينيكيو ديل تورو)، ومن هنا يبدأ المخرج الشاب في الربط بين هذه الشخصيات بأكثر من فلاش باك، وخيوط سردية منفصلة، لكنها تجتمع في النهاية بنقطة إلتقاء ضرورية لإتمام الحبكة، وهذا ما اجاده (أليخاندروا غونزاليس) على طول فترات الفيلم، إذ تخرج لنا الأم الشابة التي دهست عائلتها كاملة، في حادث للمجرم (بينيكيو ديل تورو ) الذي يجد نفس تائباً، و اكثر الناس تردداً على الكنيسة.
منذ هذه اللحظة، يستطيع المشاهد جمع الخيوط، وإلتقاط فلسفة المخرج وإستكشاف روعة أداء شان بين، حتى إنه يستطيع البقاء شارد الذهن ومنتبهاً في الوقت ذاته، خالقاً لنفسه مجالاً آخر يتلقى من خلاله الألم كما يريد، تحديداً بعد الحادثة التي تُنهي حياة ثلاثة أشخاص، تحت السيارة ذاتها، تعود حياة (بول) في النمو من جديد، بعد أن وصلت إلى ادنى مستوى، وبعدها بأشهر تبدأ حياة قلب ( ناعومي) في التبتل مرة أخرى عن طريق قلب زوجها المتوفى والذي زُرع لـ(بول)، لتعود الدائرة ذاتها في الدوران لكن بسرعة أكبر هذه المرة.
لقد ظل اليأس يطل من نافذة الجميع طوال الفيلم، ويتسلل إلى المشاهد، إلا أن نسبته تعود لتنخفض ويحل مكانها الكثير من التفائل، والإرتباط بالرب، كما يحدث دائماً مع التائب( بينيكيو)، فيقول : (لقد فعلت كل ما طلبه مني.. لقد تغيرت.. كرّست حياتي له.. ثم ماذا قدم لي؟ لقد أهداني هذه الشاحنة كي أقتل هاتين الصغيرتين.. هل أراد لي الألم؟ لماذا أراد لي الألم؟! ..)
يحل مكان اليأس عند البعض رغبة الأنتقام، رغبة الانتقام من القدر، ومن المجرم التائب الذي سلم نفسه بعد الحادثة، ويتغلل في قلب الأم، وشيئاً فشيئاً يدخل إلى قلب الزوج القديم، والعاشق الجديد.
في النهاية يعود (بول) إلى مراقبة الأجهزة الطبية والمرضى من حوله ويفتح النار على الكثير من الأسئلة التي في مجملها تحمل رائحة الموت. (كم مرة نعيش؟ كم مرة نموت؟ يقال إننا نخسر 21 غراماً في لحظة موتنا،كل واحد منا.. فما هو هذا الشيء الذي يزن 21 غراماً برأيكم؟ ما الذي نفقده؟ متى نفقد ال 21 غراماً؟ ما الذي يزول معها؟ وماذا نكسب؟ كم تساوي 21 غراماً؟)

أشياء تختفي في الساعة السادسة

24 November 2005

 

 

 

 

فاتني الكثير بعد الساعة الخامسة. فاتتني صلاة المغرب ذلك اليوم ولم أبالي، ثم فاتتني اليوم الذي يليه، فعرفت أن الكثير يفوتني.

حين ركبت حافلة السادسة والتي تتجه إلى وسط المدينة، انتهى بي الطريق إلى ضاحية الرشيد، وهو المكان الذي تصل إليه حافلة السابعة، وبالتالي فقدت فرصة الحديث مع الفتاة التي انتظرتني في المقهى، وحين ركبت الحافلة إياها للعودة إلى المقهى، وجدت أثر الرائحة ينتظرني، والعامل الذي بدا غاضباً مني لأني تخلفت عن لقاء الفاتنة التي عادت وحيدة إلى منزلها.

عدت، ولم يكن العود أحمد، ولا محمود، لم يكن العود شيئا مطروقاً تلك الليلة، فكان من اللباقة الاتصال بالفتاة لتقديم العذر المناسب لما قد صادفني وقتها، وهذا ما حدث، اتصلت بها؛ وبدأ حديث طويل لم ينته إلا بتحديد موعد آخر غداً في نفس المكان، ثم قبلة طويلة.

فاتني إرسال رسالة قصيرة إلى أبي في الساعة السادسة وربع. فاتني كوب القهوة في المكان المفضل لدي، وفوت على نفسي تناول الفطائر المحلاة التي يقدمها المقهى، ومع هذا لم يثر ذلك أي ريبة لدي، وأكملت ذلك اليوم بـ23 ساعة فقط.

مضى بقية اليوم كما يجب، دخنت سيجارة الساعة التاسعة، وحضّرت طبق المكرونة في التاسعة ونصف، واحتسيت آخر زجاجة (البلاك) في الثلاجة ولم أسكر في العاشرة، في الحاديه عشرة شاهدت فيلماً على إحدى القنوات الأوربية، مما قادني لممارسة عادتي السرية، وعند الثانية عشرة كنت منهكاً؛ فنمت.

استيقظت في الخامسة.. وصليت الفجر بعد الاستحمام بماء بارد. حلقت ذقني، وهممت بالخروج لارتشاف قهوة الساعة السادسة والإفطار في ذات المقهى الذي يفتح أبوابه في السادسة تماماً، كانت الساعة تشير إلى الخامسة ونصف، تمكنت من استيقاف سيارة أجرة بعد وقوفي لربع ساعة في البرد القاسي، كانت ربع ساعة بالفعل، واستغرق التاكسي ربع ساعة أخرى حتى وصلت إلى المقهى. دلفت إلى الدفء وأشرت بيدي إلى النادل، أخذتُ أحد الجرائد قبل أن أجلس. جاء النادل بعد دقائق يحمل معه كوب أزرق يحتوي على قهوة سوداء دون سكر، وفي طبق آخر قرب الكوب كروسان محشو بالجبن، وضعها على الطاولة وألقى التحية، وانشغلت أنا بقراءة الجريدة.

خرجت بعد ساعة تقريباً، خلال ذلك، لم ألق نظرة على ساعتي اليدوية ولا على أي من ساعات الحائط بداخل المقهى، في الخارج لم تكن الشمس تشبه شمس الساعة السابعة على الإطلاق، إذ كانت مرتفعة أكثر، وأشد حرارة، وأزمة السير قد بدأت بالتلاشي، ولم يبق غير أصوات المنبهات لسيارات الأجرة، وأصوات باعة الجرائد المتنقلين، مع ذلك لم أعر بالاً لأيٍ من تلك الإشارات، أوقفت سيارة أجرة أخرى وذهبت إلى العمل.

لحظة وصولي إلى مقر العمل، بدأ المكان يعج بروائح طعام الإفطار، وحيث أنني من المفترض أن أكون أول الواصلين إلى مقر العمل، وجدت المكاتب مشغولة من قبل موظفيها، والمراجعين منتشرين في كل ممرات الوزارة، ولم أبال ايضاً، ذهبت إلى مكتب المدير لأوقع حضوري، لكن دفتر الحضور لم يكن على المكتب، وبعد سؤالي للسكرتير أجابني بأنني متأخر، ولا يحق لي التوقيع.

لا أعلم هل كان يجب علي الغضب ورفع صوتي على السكرتير لأنه يعرف بأني لا أتأخر عادةً، أم لأنه لا يجيد قراءة الساعة، وهل يجب علي فعل ذلك حقاً، لكن الجميع هنا، ولا أظن بأن الجميع لا يجيدون قرائتها كذلك، ناهيك عن أن الكثير من المتدينين في الوزارة يلبسون ساعات ( العصر) الرقمية والمكتوبة بالارقام العربية.أيجب علي في النهاية التأقلم مع الوضع، أو الغضب فعلاً من كل هذا، ومن عبث الوقت معي، والعودة إلى المنزل لإكمال نومي الذي لا أظنه قد يعود بسهولة ودون مساعدة.

**

حين خرجت صباحاً كانت الساعة الخامسة ونصف، وقفت ربع ساعة واستغرق مشواري ربع ساعة أخرى، وإذا كان شرب كوباً واحداً من القهوة السوداء، والتهام كروسان واحد وقراءة صفحات الرياضة في جريدة عامة يستغرق ساعة، إذن يجب أن أكون في مكتبي الساعة السابعة ونصف على الأكثر.

لكن يبدو أن الساعة السادسة سقطت مرة أخرى، في المساء لا أعلم أين كنت ذلك الوقت، وفوت المشهد كاملاً لجلوسي مقابل فتاه أحبها، والآن افوت يوماً كاملاً من الدوام، وأخسر مرتب يوم كامل، ولابد من أن الكثير سيحدث لاحقاً.

عدت إلى النوم، كان يجب أن أفعل ذلك، لأستيقظ في الثالثة ظهراً، ثم عاودت النوم وصحوت مجدداً في الرابعة، ثم الرابعة وثلث، في الرابعة ونصف توجهت إلى الحمام وحلقت ذقني بسرعة، لأجرح نفسي تحت فمي مباشرةً، وضعت ضمادة جروح دائرية فوق الجرح، وأكملت أستعدادي للقاء فتاتي عند الساعة السادسة.

وهذا ما يبدو، يبدو انني سأراقب الساعة جيداً هذا اليوم، وسأذهب مبكراً، مبكراً بنصف ساعة على الأقل، ارتديت من ملابسي التي أظنها جميلة، وخرجت إلى المقهى، وحدث ماخططت له، في الخامسة ونصف كنت أشرب كوب ماء فاتر، وأتابع المارة خلف زجاج المحل، وفي الوقت ذاته أنتظر فتاتي، وأراقب ساعة الحائط.

**

لم يأتِ أحد في السادسة، وفي الحقيقة لم تكن هناك سادسة، رفعت راسي إلى ساعة الحائط بعد أن مللت الإنتظار، وفيما ظل النادل يتردد على طاولتي لحمل منفضة السجائر التي تمتلئ بسرعة، وإبدالها بأخرى، استوقفته وسألته بصوت يسمعه الجميع عن الوقت الآن، الإجابة التي لم تكن لتجيء لولا سؤالي، الإجابة التي تقول بأن الساعة السابعة وربع. يستحيل أن تكون ساعتين إلا ربع مرت على جلوسي فلا يزال كوب القهوة دافئاً، ولا يزالون الزبائن هم، الذين شاهدتهم لحظة دخولي.

لم يأتِ أحد، ولم أقض ساعتين إلا ربع، ولا شيء يشي بنومي، أو غيابي عن الوعي، لم أشرب الخمر ولم أسكر، ولم ألتهي بقراءة جريدة او راوية، لم أشاهد فيلماً، لكن هناك ما يحدث، البارحة ركبت حافلة السابعة، واليوم لم تأتِ الساعة السادسة، اليوم أيضاً سأكمل بقية الـ 22 ساعة.

شيء

23 November 2005

 

 

 

“لا أحد يموت في الـ 30 من فبراير”

رؤية غائمة جزئياً

13 November 2005

 

 

 

أردت بعاطفة غريبة، أن ألبس حائطاً، أو آنية في مطبخ إمرأة جميلة، المهم أن أكون شيء غير محتملاً، شيء لا يمنح ذوي اللحى الطويلة أي امتيازات ضدي، لا يمكنهم التفكير به، والمهم في الأخير أن البس جسداً صلباً لا تؤثر فيه شمس مدينتي الحارقة، ولا ثلج الشمال إذا أنتقلت هناك، وأستطيع معه فلسفة الوخز، والألم كما أشتهي بالنسبة لبقية الأشياء الحية الأخرى.

لذا وجدت نفسي شاهداً مع أني لم أسعى إلى هذا الدور، كنت شاهداً على دخان تصاعد من أماكن مختلفة، من غرفة واحدة، شاهداً على سعال رجل يقبع في الداخل، والذي لا يعلمه أحداً سواي، أنني كنت في الداخل وقت إشتعال الكتب، الوحيد الذي أدرك أني لم أسعل مثل البقية، كنت هناك، لا أعلم مالذي كنته تحديداً.

الحريق لم يكن بسبب شرارة، أو سيجارة، فالسجائر لم تخلق بعد (على الأقل هنا)، بدأ بشعلة برتقالية ذات قاعدة زرقاء، ومع تلك الشعلة بدأت الحرارة تُسقط الكتب في شراكها، وتوقظني من سباتي، بقطرات من القطران التي تسقط على طرفي، فتحيلني لجسد صلب متقيح، ولبقعة داكنة تعم المكان.

هذا ما يجب سرده على الجميع، ولست ادري لِم تأخرت كل هذا الوقت، لماذا الآن بعد عشرة قرون كاملة، مالذي ظهر على السطح مؤخراً، وقادني للحديث، كيف تبدو النار في المرآة، وسرد تفاصيل لم تكن لتحكى قبل الآن، ولا ابالغ إذا قلت أن المكتبه إحتوت على أرفف خشبية على طول جدرانها الثلاثة، وعلى الكثيير من عنواين الكتب، ما يكفي لإشعال نار ترتفع السنتها إلى 10 امتار على الأقل، وسأحكي كذلك كيف نجوت أنا ونجى الرجل الذي ظل يسعل طوال بقاءه في الداخل.

شممت رائحة دخان متباين وانا في الداخل، كان هناك انواع كثيرة من الدخان، بعضها بألوان بيضاء ناصعة، وبعضها يخرج أحمر، ويزيد حمرة لحظة مروره فوق السنة اللهب، وبأستثناء الدخان الأسود كانت الأدخنة تتصاعد وتعلو، لتصنع طبقة سميكة من الدخان أعلى الغرفة، تُشع ألوانها مع إزدياد اللهب حولها، لتظهر ألوان أخرى جديدة عند إمتزاجها، ومع أني كنت على مقربة من الحدث، لم أستطع معرفة مصدر نشوء هذه الألوان تحديداً، وعن أي الكتب يخرج اللون الأبيض، وعن ايها يخرج الأحمر، وفي الوقت ذاته رأيت مصدر اللون الأسود، الذي إستمر في الخروج عن كتب متشابهة في ركن الغرفة، بجوار كرسي من الخيزران وطاولة من الحصير على مستوى الكرسي.

كان يجب أن أخرج، ويخرج الرجل، كان على الجميع أن يترك ما بيده وينفذ بجلده، هذا بالنسبة للرجل، أما أنا فكان يتعين على أن أخرج بطبقة الطلاء التي عليّ، وفيما ظل الرجل يسعل بصوت مرتفع، سمع صوتي يحثه على الخروج في الحال، تاركاً بقية التفاصيل وراءه، وهذا ما حدث حقاً، كنت انوي الخروج وراءه، في تلك اللحظة أكتشتف انني بطول مترين أمتار.

بالإضافة إلى اكتشافي الأخير، كنت خشبياً وعلى جسدي قطعٌ حديدية، متسمراً في الجدار الرابع للغرفة، والنار تزداد توهجاً، ويقترب المكان من كسب ثقة الأفران، وتهت فيّ، ودخلت في نوبة رعب حين بدأ دخان آخر يصعد من مكان وقوفي.

بحثت عن الباب في كل مكان، بحثت فوقي، وتحتي، بحثت بين الكتب التي لم تحترق بعد، بحثت في اللوحات التي لم تعد على الجدران، وعلى طول الغرفة، وإذ لم يكن الباب متوفراً، بحثت عن نافذة تأخذني إلى الخارج، ولما كانت صغيرة بما لا يتناسب مع طولي، عاودت بحثي عن الباب، الذي لم يأتِ حتى ذلك الحين.

” حين أخرج مني، إليّ، سأكون حديدياً من الصفيح، أقصر من مترين، سأكون شيء يمكنني الهرب به عبري”.

حين تقلص جسدي إلى الربع، واسودت أطرافي تمكنت من الألتفاف حولي، لأجد بقعة ضوء كبيرة خلفي، وتمنيت السير حتى منتصف الضوء، وهذا مالم يحدث.
إستمرت الكتب في الأحتراق، وواصلت أنا رغبتي في السير إلى الخارج، والرجل لم يبدِ ردة فعل واكتفى بالسعال، وحين تكاد تنقطع أنفاسه يسكت، وما أن يهدأ حتى تعاوده نوبة السعال، لكنه في النهاية لم يفعل شيء.

أشياء تضيع بسهولة

6 November 2005

فتحت فمي.

لم يكن هناك شيء، فتحته لأبكي، أو لأنهار، فلا أثر لقطعة اللحم الوردية، ولا للحبيبات المزعجة التي إعتادت الظهور هذا الوقت من الصباح، وما لبثت حتى بدأت أغمض عيني محاولا العض على الفراغ الذي هناك، بكيت وأنا اتحسس أسناني بالهواء الذي تدفعه رئتي، وبالغازات النتنة التي تصدر عن معدتي، الأكيد أنني بكيت، إلا أن هناك لعاب أجهله، يأخذ قيلولته مكان اللسان، ويهبط من أي ثغرة يجدها في فمي الصغير.

لقد حاولت الحديث وقتها أكثر من مرة، جربت نطق الله، لكن هواء آخر يهبط بي إلى القاع، لأجد دماء غريبة تجوس فيّ بسرعة، وتصطدم ببعضها منتجةً الكثير من الضجة والأصوات في داخلي، ومع أن هذه الأصوات تكون في مجملها مرتفعة، إلا أنها في نهاية الأمر كانت منتظمة، يمكن إحتمالها.

هناك كوة من الظلام، لا يمكن ردمها بالفوانيس، او بالحديث الحميمي الذي يدخل عن طريق الأذن او من أي طريق آخر، ومطر غزير يحط على كل شيء، فيصيبه بالبلل، ولأول مرة لا أطيق الرطوبة، إذ تكون جدران المكان زلقة، ولا تحتفظ بأي سر في هذا المحيط، قبل أن تهبط بأتجاه مكان يملئه الصدأ في هذا الوقت من الليل، أي بعد إنقطاع الطعام لأكثر من ثلاث ساعات، بل تطارد أشباه الألسنة اللائي أحاول خلقهن في أماكن مختلفة، تحسباً لما قد يحدث مستقبلاً.

البارحة، البارحة القريبة، سهرت بصحبة لساني الذي فُقد، كنا نحمل نفس الأغنية بصوت جهوري، ومع أنني لم أطق صوتي وقتها، إلى انني في النهاية طربت لطريقة الأداء التي كنا نجيدها سوياً، ولم أكن أفكر وقتها أنني سأفقده هذا الصباح!، الغريب أنني لم أمت حتى الآن، والأكثر غرابة أن المطر لم يتوقف في الخارج، الأكثر غربة أن المطر لا يمكن أن يأتي في هذا الوقت، أتراه شيء يخص هذا الفقد، وأن الله أرسل إلي المطر كأول المعزيين، البارحة كنا قد نمنا سوياً، ولم أفتح فمي وأنا نام، أدرك أنني لم أفعل لأني قبلها بأسبوعين فقط أجريت عملية جراحية لإزالة اللحمية، وأستطعت بعدها النوم بفمٍ مغلق دون الحجاة لفتحه وإستدراج الأوكسجين نيابة عن الأنف.

رأيته يلعب في فمي، ويغفو هناك أغلب اوقاتي، تلك التي لا أكون مضطر فيها إلى الحديث، أو أنشغل بالقراءة أو مشاهدة فيلم، رأيته البارحة ولم أودعه، أو اعانقة، اريد أن اصافحة على مشهد من المطر، أريد أن يحمر خجلاً عندما أقبله في فمي، وأداعب طرفة بطريقة شهوانية لئلا يفقد حسه على تقبيل النساء، والمطر لا يتوقف، يأبى أن يرحل ويتركني أفتش عن صورة قديمة لي يكون فيها المفقود حاضراً، أو يترك لي الخيار في وضع شريط لاصق وقطعة لحم لأي حيوان، ومع هذا لا أريد أن أتحدث أكثر، اريد ان أبقى على أتصال ببقية اعضائي الداخلية، ولن اخبرهم بما حصل، إلا أن تحصل وشاية، أو خيانة قبل توقف المطر.

طوال الليل السابق كنت أبكي لسبب تافه، والليلة سأبكي لأسباب اكثر وجاهة، ولن أتوقف بأي حال، أعني أني لن أعنف نفسي، وسأوحد بكائي بذات الأنين الذي استطيع أطلاقه بمعزل عن وجود اللسان، ذاك الذي يأتي من الداخل، من أشلاء، وخلايا في الداخل، تجيد أصدار أصوات مماثلة تناسب الوضع الذي قد يحتاجه الجسد، أي الذي أحتاجه الآن.

لم يكن معجون الأسنان متدفقاً ذلك الصباح الذي اكتشفت فيه الأمر، لقد كان يهبط إلى مكان سحيق، ولا شيء يردعه، وأسمع دوي قطرات ماء ثقيلة ممزوجة بالمعجون تسقط في مكان لم أستطع تمييزه، (في الأسفل!) هو كل ما استطعت معرفته وقتها، قبل أن يخرج ذلك الخليط من ذكري بنفس اللزوجة التي دخل بها، وبذات الرائحة اللاذعة، والتي سببت لي بعض الحرقة في مخرج البول وقتها، وأضطررت إلى البكاء، فزاد المطر.

والليل يهبط، والمطر يهبط، والهواء يهبط داخلي، الشيء الوحيد الذي كان على غير سجيته، وسقط بأتجاه الأعلى هي الأنات المختلطة التي تحملها كريات الدم البيضاء وتوزعها بطريقة إحترافية على منافذ جسدي، على كل ما يمكن أن يكون مخرجاً، ومع ذلك إستمر المطر يطغو بصوته على كل شيء، وعلى الآهات التي يسرقها الهوا