أرشيف شهر October 2005

البرد بوصفه شيء

31 October 2005

أختار يوماً بارداً لأقول:

قمصاننا مثقوبة

قمصاننا مأهولة للبرد والمواعيد القديمة،

وأختفي

لأعد اصابع الشتاء على مهل ..

ولا أفقد خنصر الثلج حين يهبط، إذ نلتقي على شرفة حبيبتي صدفة

وقبل الحقيقة أقول لنفسي:

لا أعرف الصيف القديم ولا اضير ..

بمولد اللوز العتيق على يدي ، ولا بزيتونٍ تفجر فجأة ..

وحديثنا الليلي شبقٌ للحديث فقط

وفوق هذا .. بابٌ للرذاذ وسلمٌ للكرامات التي لنا ..

من يبعث المسيح من بيت لحم إلى عمان .. ويختفي

لنعيد كتابة الاسفار مرة أخرى ..

ونسافر من عمان إلى نجد الحبيبة .. والعشيقة ..

رباه ماكنت يوماً هكذا ..

ماكان يعنيني الرياض ولا مصابيح الشوارعِ ..

ولا النساء اللواتي يعتمرن الخوف في اسمالهن ..

وهناك .. أعددت ما أعددت من ليل الموائد كلها ..

وقصدت كل نوافذي الوردية.. وكل أبواب منزلها الثلاثة ..

كانت ثلاثة قبل الآن ولم تزل .. تؤرخ ميعادنا الأول

وتنشر الرمان من اليسار إلى اليمين ..

إلى أين يأخذني التوت من فمها .. ايكون من اليمين إلى اليسار ..

فيعيد شجرة الأوركيد إلى حديقتنا.؟

كان فيه ناس ع المفرء تنظر ناس

30 October 2005

رأيتني هناك، رأيت الرجل الذي كنته، ولولا انني كنت البس نظارة غامقة لعرفتني على الفور، لست ادري متى انفرطت خرزات عمري، متى تسارعت الخطى حتى أصبحت أنا (الآخر)، ومع ذلك نشأت الهوة بيني وبيني.
كان المفرق ترابياً، وشاحباً، وينحني بشكل قوي، وأظن أن ذلك السبب الذي أفقدني الأول الذي كنته، لم يكن على الإطلاق كما روجت له فيروز في أغنياتها، كنت أذهب إلى أي مكان، قد يكون ذلك بار يضم سكارى أكثر مما ينبغي، أو إلى مسجد، وربما مقهى، لولا المفرق الذي وجدته أمامي يلوح بيده الحديدية، ويبتسم بطريقة تلقائية تستفزني، وشيئاً فشيء تجبرني على التوقف، وإذ باغتني وأعترض طريقي، كان يجب علي معرفة كافة التفاصيل التي قد ينطوي عليها هذا المفرق.
ليكن كل شيء معقول، وليكن هذا المفرق على الجهة اليمنى من الطريق، وله آخر مطابق على الجهة الأخرى، ومع كل هذه الإتجاهات كان عندي إتجاه واحد، لا اعرفه، وحتى إذا ما كنت تلك خيارات قائمة بحق، فلماذا الله يضعنا بهذه الطريقة أمام المنعطفات دون أن يضع اي لافتة تحذرنا الوقوف المفاجئ، ليكن في اليمين فاتنة وقصر وزجاجات لا حصر لها من النبيذ، وليكن الله في الأمام، وليكن اليسار طريقاً آخر يقود إلى مفارق أخرى أكثر تشتتاً.
لقد فقدتني هناك، قبل المفرق بميل كنت طفلاً، يلعب بأنفه دون تعنيف، ويهرش مؤخرته أمام الكل، ويفتح فمه ليتثائب في الاماكن العامة، كنت أنوي او أحلم ( لازلت صغيراً على المقارنة بين الحلم والنية) بتجاوز المفرق إذا كبرت، والغريب أنني كبرت أسرع من المعتاد، وبدأت عضلاتي تتمدد، وشاربي يظهر بطريقة الكبار، وذقني ينمو لكن في اماكن متفرقة، وتغيرات أخرى فسيلوجية تظهر في النصف السفلي من جسدي، ومع أني أحسست بكل تلك التفاصيل، فإن الخيار الذي يتضمن الفتاة والقصر، ولحظة تفكيري بدأت تغيرات أخرى تظهر في الجزء ذاته، وودت فعلاً لو إنعطفت يميناً.
لِمَ كبرت بهذه السرعة، يالله، لِم كبرت قبل المفرق بأمتار، لما تلاشت تلك الرغبات المراهقة عني، وحل بالتدريج مكانها رغبات أكثر موضوعية، كنت سأذهب إلى اليمين، وسأضاجع الفتاة مرة أو مرتين، قبل أن أكبر بسرعة، وتنتهي هذه المراهقات، لست شفقاً لها، ولا متحمساً، كنت أريد خوض المراهقة بكل التفاصيل، حتى لو لم يقتض الأمر مضاجعة الفتاة، أو شرب زجاجات الخمر التي كانت هناك

إني أراني أعصِرُ خمرا

29 October 2005

أمضيت في الزنزانة مدة عام ونصف، ورغم أن السجان كان يضربني فإنه كان وسيلة الاتصال الوحيدة بيني وبين العالم

محمد النظراني

(مُعتقل مغربي).

The Road Home

28 October 2005

 

 

 

جنازة يسير بها المشيعون في طريق طويل، عليه أثار ثلوج لم تذب بعد، وبكاء لنساء لا يعرفن إلا الموت سبباً وجيها للبكاء، ورجال باسقون يحملون نعشاً خشبياً في البرد القارس، ويهمسون بأحاديث وأغنيات تبدو مألوفة، ويبكونها بطريقة تدعوا للتأمل .. في الوقت ذاته، هم يفعلون كل هذا، ويمشون الطريق الطويل كل مرة، لأنهم لا يريدون لأمواتهم أن يتوهو، ويأملون منهم( الأموات) شحذ الإنتباه في الطريق المؤدي إلى المقبرة، حتى إذا ما أشتاقوا إلى البيت عادوا، ليلقوا تحية المساء، أو ليتناولوا وجبة ساخنة.
هذا التقليد الصيني القديم، وهذه الطقوس الروحانية يستطيع أن يبرزها المخرج الصيني اللامع زانغ يمو، في فيلم (العودة إلى الديار)
ليست ملحمة إسطورية لرجال شرقيين يحملون النصر في ملامحهم، ولا حديثاً يجف فور الإنتهاء منه، بل نوع آخر إنها ملحمة عاطفية رومنسية لا تتكرر كثيراًً، ولم تكن ستبدو بهذا الجمال لو لم يكن مخرج الفيلم من طراز “زانغ يمو” والذي فاز بفيلمه هذا بجائزة لجنة التحكيم لمهرجان برلين الدولي.
فحين يقلب المخرج زانغ يمو كل نواميس الطبيعة السينمائية، ويلعب لعبة الالوان الشهيرة، بفلسفة تبدو معقولة للمشاهد، بل إنها تبدو مبررة جداً للذين أفستدهم المدن، يبدأ فيلمـه زانغ يمو بسيارة تتهادى على طريق جبلي متعرج، وشخص على جانب الطريق يريد أن يذهب إلى مكان يبدو بعيداً، يتضح فيما بعد أنه ينوي الرجوع إلى قريته، عودته هذه بسبب وفاة والده الذي خلفه وراءه في يوم غابر وسافر إلى المدينة.

 

 

من هنا تحديداً يمكننا رؤية الجمال الفني في رؤية المخرج، إذا صور جميع مشاهدات الزمن الحالي بحيادية الألوان وباللونين الأبيض والأسود فقط، وحين تبدأ الذاكرة في الدوران، ويبدأ الماضي يحل تدريجياً مكان زيف الحاضر، إلى ما قبل الاربعين سنة تتغير الألوان تماماً، وتبدأ الألوان في الحضور جملة وفرادى، وتبدأ الموسيقى في الظهور بتصاعد أنيق، ويبدأ الكل في إرتداء الملابس الزاهية.
لقد خالف زانغ يمو العادة هذه المرة، فلم يكن الأمر كما تعودنا حيث تون الذكريات بالأبيض والأسود الباهت، ويبهجنا الحاضر ليكون ملوناً، وكأنه يقول بفم مليئ بأن هذا الزمن ليس جديراً ببهجة الأزرق، ولا برزانة الأحمر، أو أناقة الأصفر ولا يستحق حياة الأخضر، الحاضر هو القـاتم الكريـه، المنبوذ، منعدم الألوان وليس الماضي.
الآن يعـود الشاب للقرية، يعود ليقابل الأعيان، ويلتقي بالرجل الأكبر في القرية، فيخبره بعزم أمه على دفن والده بالطريقة التقليدية، حيث يحمل الرجال أباه ويدفنونه في قريته وهو الذي مات مكان آخر، وهي عادة صينية قديمة، وكلهم أمل بأن يستدل المتوفى الطـريق إلى زوجته وأبناءه كل ليلة، كل ما أستحضرته ذاكرة احدهم، يتنقل بعدها الوقت فيعود بنا إلى الوراء قليلاً ليسرد الابن قصـة والديه وعشقهما، بالألوان وليس بألوان الحياد الأبيض والأسود.
تطلع علينا فتاة يانعة من حيث لا ندري “زاو دي”، ويبدو أنها من النظرة الأولى أنها ستغرم بالمعلم القادم من مدينة مجاورة، على عربة مهترئة يجرها حصان ضخم، يتصاعد البخار الساخن من أنفه، ويمر بالقرية البسيطة، ليظهر للجميع مدى بساطة الارياف، فقد اصطف السكان على جنبات الطريق بدون ترتيب، جميعهم ينتظرون، ينتظرون معلم أبنائهم، فقد شعروا بأن ساعاتهم الداخلية بدأت تدق، في هذه اللحظة تحديد تراه زاو دي وإذا ما صنفنا بأن تلك النظرة الخجولة في عينيها ليست سوى إعجاب محض.
زاو دي فتاة ريفية، كما جميع الريفيات، تعتنـي بوالدتها الضريرة، بالإضافة إلى اللعب والمرح، والضحك، تقوم كذلك بجميع أعمال المنزل، فتجلب المياه بإنتظام، وتقوم بأعمال الطبخ والغسيل، ولا تشتكي أبداً، أو تتذمر، وبالنسبة للشخص الآخر الذي يسكن إليها في سيدة ضريرة(والدتها) فقدت بصرها لانها بكت زوجهـا بطريقة مؤلمة، إلى أن أصـابها العمى.
وبالنسبة للمعلم، فكما يظهر للجميع، فهو شخص طبيعي، شاب ذو ملامح رزينة، ووسيم على طريقة الصينين، طردته المدينة بطريقة غير مباشرة، ما اضطره إلى الذهاب إلى قرية ما، ويقبل بوظيفة التدريس التي عرضت عليه، لقد أبدى من اللحظة الأولى إتقانه للعمل، وشغفـه بالتعليم، وسط جموع أهالي القرية الغفيرة، المتحمسة لهذا الضيف الجديد، ورسم على ملامحة قبوله لمزيج العادات القروية المبهحة، فكان يتناول غداءه يومياً عند أحد الأسر، وهذا ما جعله يالف حياة القرية، ويألفه الآخرون، ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الفيلم يحمل القيم الإيجابية فقط، فلا أشرار يظهرون طيلة الساعة ونصف التي هي مدة الفيلم، والجميع يهنأ بحياته بطريقة تناسب القدر.
بقي الحديث عن العمل الموسيقي، الذي سار بالعمل إلى بر الجمال، وعملت كرافد آخر يحمل المتلقي على الإستمتاع بكافة التفاصيل الصغيرة، والكبيرة في الفيلم الأسطورة
 

 

عقدة تشبه بقية الأشياء

28 October 2005

كم نشعر بالعقد في تفاصيلنا التافهة، والأكثر تعقيداً تُذّكر الأشياء المعقدة، او تلك التي كانت تمثل لك عقبة في أحد مراحل حياتك، وسواءً كان ذلك بسبب موقف مشابهه له، أو لمجرد مرورها دون أستئذان أمامك مرة أخرى بعد كل هذا الزمن.

كنت في مقهى، ولا أنوي التفكير سوى في كائن الأرجيلة التي أمامي، وكنت سأستمع إلى صوت المطرب الغليظ، كنت سأستمر في ذلك وربما تجاذبت نصف حديث مع أحد الذين يشاركونني الطاولة المربعة، أذكر أني حين خرجت من شقتي في ضاحية الرشيد، لم اضع في حساباتي أني سأنظر مباشرة إلى يد عازف العود الذي سيحضر إلى المقهى، ولم أعرف أن هناك عازف من الأساس، فقط، خرجت من بيتي مشياً حتى وصلت، جلست كمن لم يجلس من قبل، وأنتظرت الأصدقاء حتى يأتون، وكما بدا لي أنهم يصلون متأخرين كما اعتدت، كان هناك شخص يحمل عوداً يتجاوز صفوف الكراسي بإتجاه مقعد زرع في الأقاصي، أمام عمود حديدي لامع ، يحمل على رأسه شيء اسود، تبين لاحقاً انه (مايكرفون).

جلس هو، وعدلت أنا من جلستي المائلة، وركزت نظري مباشرة إلى العود الخشبي الذي يحمله، يالله لقد نظرت إلى العود مباشرة، مباشرة قبل أن يعزف شيء، إذن سيتسرب الكثير من الألحان إلى رأسي، الكثير من النغمات،والكثير من مطالع الأغاني التي أحبها، ياإلهي سابدأ في الغناء، والموسيقى لم تبدأ، سأغني الأماكن، واتذكر حبيبتي إذ تغنيها بصوتها الأبدي، سأحن اليها الآن أكثر مما أنا عليه، سأحزن، وأشتاق إلى تقبيلها، ولثم شفتيها، .. وهذا ما حصل.

هذه ليست العقدة، إذ بدأت حين بدأ العازف بتحريك يديه على العود، بدأت حين بدأ النغم ينتظم، قبل أن يشرع في أي من أغنياته المكررة (كما قال الأصدقاء)، عيني الآن على الأوتار وهي تهتز، وسيظهر عجزي عن متابعة يده على وجهي، يده سريعه الآن، وتتسارع بصورة مضطردة، ومع ذلك لا يفلت اللحن منه، يمسكه جيداً، يهدئه أحياناً ويقودة إلى تهلكة السرعة أحايين كثيرة، ويده لا تتعثر باي شيء، لا بالهواء، ولا بصوته الذي بدأ يدخل على العزف ليفسده، لقد تذكرت ذلك الوقت الكثير من العقد المشابهة، كـ كيف لوالدي قيادة سيارته ذات ناقل الحركة العادي، كيف يمكنه السيطره على المقود، ومن ثَم التحكم بتحديد مسارات السير دون النظر إلى الناقل، كيف له القيام بتلك الحركات والتغييرات دون وضع نظره عليه، كيف له معرفة كل هذه الاشياء حول السيارة، متى يتعين عليه وضع الناقل في هذا الوضع، ومتى عليه نقله إلى موقع آخر.

بدأت عقدة النظر تتضخم، وتتفرع على رأسي كغصن لشجرة قديمة أعرفها، كيف يمكن لهذا الشخص التنقل بين الأوتار بهذه الطريقة المجنونة، كيف يصنع مع هذه السرعة وهذه العشوائية لحن جميل، اعرف انه سيضيق بي المقهى بعد قليل، سأضطر بعدها إلى الخروج قبل أن تزداد العقد حول رأسي الضغير والضاج بالروائح والاصوات.

يالله كيف للجميع فعل هذه الاشياء.