The Devil’s Advocate
14 January 2006

يمكن لفيلم ما بكل بساطة .. من مسّ شيئا في قلبك، وربما يستطيع آخر استفزازك حد البكاء، وقد يتمكن ثالث من طبع آثاره في ذاكرتك حتى يسِمك بتفاصيله، وتظل حياتك أسيرة لمشاهده وشخوصه، إلا أن (محامي الشيطان) لا يفعل أي شيء من ذلك. لا يمس شيئا.. ولا يستفز شيئا.. ولا يطبع شيئا..
كل ما يفعله هو تعرية سوءة الروح، ببطء.. يُسقط القشرة الهشة التي تغلف الأخطاء، تلك القشرة التي تمنحها تبريراً يريح القلب من وطأة الذنب. تتوالى المشاهد حتى الأخير حين تجد أن ما تحاول إبقاؤه متماسكا؛ قد أصبح هشيما نهب الريح، و المخارج التي اعتدت الهروب منها دون أن يلحظك أحد، قد أصبحت مفضوحة بشكل لا يمكنك حتى أن تتحايل على ذاتك.
يخدش الداخل، ويعاود خدشه مرة تلو الأخرى حتى ينزف، وتصدر أظافره المثلومة صوت صرير مؤذِ على زجاج شيء يبدو كالـ(ضمير).
فيلم The Devil’s Advocate قديم نسبياً، فهو من إنتاج عام 1997، أخرجه: تايلر هاكفورد. وأدى أدوار البطولة: كيانو ريفز، بدور المحامي الناجح (كيفين) من فلوريدا، الذي لم يخسر أية قضية تولى المرافعة عنها -أعتقد أنه الدور الوحيد الذي منحه قدرة على استغلال خامته التمثيلية بشكل كامل تقريبا-. كما يعد هذا الفيلم الإطلالة الأولى للممثلة الجنوب أفريقية: تشارليز ثيرون، مؤدية دور (ماري آن) زوجة المحامي كيفين، أما الشيطان، ورجل الأعمال ذي الإمبراطورية التجارية المترامية (جون ميلتون)، فقد قام بدوره الممثل الشبيه بالمعجزة : آل باتشينو، الذي تمكن من الدور تماما، كعادته، مسيطراً حتى على حركات الجسد الطفيفة، كلعق شفته العليا بطرف لسانه مضفية عليه مشهدا شيطانيا مضاعفا.

يبدأ الشيطان بشكل يجعلك تستهين بكل محاولاته للإغواء، وربما يداخلك شعور بأن هذا ليس سوى كائن يحاول تقمص شخصية (شيطان) بشكل ساذج.
يقول أنه: (متواضع)؛ لذا لا ينتبه له أحد.. يقول أن خطيئته المفضلة: (الغرور)؛ لذا يسقط الكثير.. يقول: أنه لا يجبر أحداً على الزلل، وأنه منحنا (حرية الإرادة)! لا يختفي الشيطان أبداً، فهو يتلبس وجه امرأة مغوية، يتلبس ورقة شيك ممهورة بعدد مكون من خانات عديدة، يتلبس لوحات محلات نيويورك (بابل الجديدة)، ويتلبس كلمات الإنجيل. رغم ذلك؛ هو لا يجبرك على شيء، لا يجبرك أن تسقط في حبائل المرأة المغوية، ولا يرغمك على قبول الشيك ذي الأرقام العديدة، كما أنه لن يحملك قسرا من فلوريدا إلى نيويورك لتتوه في شوارعها الداعرة، ويترك لك خيار ارتياد الكنيسة أيام الآحاد من عدمه، فوق كل ذلك، فهو يمنحك أيضا : (حرية الإرادة).
ما دوره إذن إن كان لا يحملنا على فعل ذلك كله؟ لِم يطاردنا بالخطايا، ويترك لنا مهمة البكاء ندما عليها، عاجلا أو آجلا؟ لِم يترك لنا (حرية الإرادة)، إن كان سيسلبنا إياها مع أولى عتبات الإثم؟ لم يضحك حين نعبر الدروب الزلِقة المحفوفة بجهنم، رغم أنه يعترف بأنه (البشري) الحقيقي الوحيد، ويدرك هشاشة هذا العنصر؟
لا يقدم الفيلم أية إجابة، يكتفي بشهقة طويلة يتركها للمشاهد على نهايته.. عندما يحوّل الوجوه كل الوجوه إلى وجه واحد.. يشبه الشيطان!







