أرشيف تصنيف 'كلاكيت'

The Devil’s Advocate

14 January 2006

 

 

 

يمكن لفيلم ما بكل بساطة .. من مسّ شيئا في قلبك، وربما يستطيع آخر استفزازك حد البكاء، وقد يتمكن ثالث من طبع آثاره في ذاكرتك حتى يسِمك بتفاصيله، وتظل حياتك أسيرة لمشاهده وشخوصه، إلا أن (محامي الشيطان) لا يفعل أي شيء من ذلك. لا يمس شيئا.. ولا يستفز شيئا.. ولا يطبع شيئا..
كل ما يفعله هو تعرية سوءة الروح، ببطء.. يُسقط القشرة الهشة التي تغلف الأخطاء، تلك القشرة التي تمنحها تبريراً يريح القلب من وطأة الذنب. تتوالى المشاهد حتى الأخير حين تجد أن ما تحاول إبقاؤه متماسكا؛ قد أصبح هشيما نهب الريح، و المخارج التي اعتدت الهروب منها دون أن يلحظك أحد، قد أصبحت مفضوحة بشكل لا يمكنك حتى أن تتحايل على ذاتك.
يخدش الداخل، ويعاود خدشه مرة تلو الأخرى حتى ينزف، وتصدر أظافره المثلومة صوت صرير مؤذِ على زجاج شيء يبدو كالـ(ضمير).
فيلم The Devil’s Advocate قديم نسبياً، فهو من إنتاج عام 1997، أخرجه: تايلر هاكفورد. وأدى أدوار البطولة: كيانو ريفز، بدور المحامي الناجح (كيفين) من فلوريدا، الذي لم يخسر أية قضية تولى المرافعة عنها -أعتقد أنه الدور الوحيد الذي منحه قدرة على استغلال خامته التمثيلية بشكل كامل تقريبا-. كما يعد هذا الفيلم الإطلالة الأولى للممثلة الجنوب أفريقية: تشارليز ثيرون، مؤدية دور (ماري آن) زوجة المحامي كيفين، أما الشيطان، ورجل الأعمال ذي الإمبراطورية التجارية المترامية (جون ميلتون)، فقد قام بدوره الممثل الشبيه بالمعجزة : آل باتشينو، الذي تمكن من الدور تماما، كعادته، مسيطراً حتى على حركات الجسد الطفيفة، كلعق شفته العليا بطرف لسانه مضفية عليه مشهدا شيطانيا مضاعفا.

 

 

 

يبدأ الشيطان بشكل يجعلك تستهين بكل محاولاته للإغواء، وربما يداخلك شعور بأن هذا ليس سوى كائن يحاول تقمص شخصية (شيطان) بشكل ساذج.
يقول أنه: (متواضع)؛ لذا لا ينتبه له أحد.. يقول أن خطيئته المفضلة: (الغرور)؛ لذا يسقط الكثير.. يقول: أنه لا يجبر أحداً على الزلل، وأنه منحنا (حرية الإرادة)! لا يختفي الشيطان أبداً، فهو يتلبس وجه امرأة مغوية، يتلبس ورقة شيك ممهورة بعدد مكون من خانات عديدة، يتلبس لوحات محلات نيويورك (بابل الجديدة)، ويتلبس كلمات الإنجيل. رغم ذلك؛ هو لا يجبرك على شيء، لا يجبرك أن تسقط في حبائل المرأة المغوية، ولا يرغمك على قبول الشيك ذي الأرقام العديدة، كما أنه لن يحملك قسرا من فلوريدا إلى نيويورك لتتوه في شوارعها الداعرة، ويترك لك خيار ارتياد الكنيسة أيام الآحاد من عدمه، فوق كل ذلك، فهو يمنحك أيضا : (حرية الإرادة).
ما دوره إذن إن كان لا يحملنا على فعل ذلك كله؟ لِم يطاردنا بالخطايا، ويترك لنا مهمة البكاء ندما عليها، عاجلا أو آجلا؟ لِم يترك لنا (حرية الإرادة)، إن كان سيسلبنا إياها مع أولى عتبات الإثم؟ لم يضحك حين نعبر الدروب الزلِقة المحفوفة بجهنم، رغم أنه يعترف بأنه (البشري) الحقيقي الوحيد، ويدرك هشاشة هذا العنصر؟
لا يقدم الفيلم أية إجابة، يكتفي بشهقة طويلة يتركها للمشاهد على نهايته.. عندما يحوّل الوجوه كل الوجوه إلى وجه واحد.. يشبه الشيطان!

 

 

 

from
Heaven’s Steps

21 Grams

27 November 2005

 

 

 

لم يكن الموت يوماً قصة أولئك الذين يموتون، بل قصة الأحياء الذين يتعاملون مع الأمر، وحين يكون الموت النقطة الحرجة في حياة الأفلام، والمسلسلات، وفي كافة الفنون البصرية المتحركة، يكون الأكثر إيلاماً على الأطلاق في اي مشهد ممكن، دائماً ما يجيئ كضيف ثقيل، يكسر عنق العاطفة، ويفرض لعبة العزاء على الممثلين، ومهما طال مكوثه، يبقى يعيش حياة الضيوف، يحضر بهيبته كاملته ويرحل بذات الهيبة.
ما أن يتحول الموت إلى عمود فقري في حياة فيلم، فذلك يعني بعداً درامياً آخر، لا يحتمل أي أبتسامة، ولا يترك للمشاهد فرصة إلتقاط الأنفاس، وما أن يبدأ فيلم 21 Gramsحتى ندرك كمية السخط الذي يوجهه لنا، وللحياة المخرج الشاب (أليخاندروا غونزاليس)، فينتقل بنا على أكثر من خيط سردي، ويتلاعب بالساعات والتواريخ الداخلية التي بداخلنا، يبدأها الرائع بول ( شان بين)، بمشهد الحياة وهو بجانب فتاة شقراء عارية جميلة، فتنة الحياة هذه تتحول بفجآئية جميلة إلى رجل آخر يحتضر، وبعد التدقيق ندرك بأنه ليس سوى الذي كان يمتلئ بالحياة في البداية، لا يكتفي المشهد بهذه المفارقات، بل يقودنا الى الهذيان بذات الأشياء التي لا يمكن لغير المرضى ( بول تحديدا) والأطباء النطق بها، فيتحدث عن أشياء كثيرة تتعلق بشعوره حيال ماهو عليه، وحيال الأجهزة الطبية التي تحيطه من كل الجهات، والإضاءات البيضاء الباهته، وهو يقول ( إذاً هذه هي غرفة إنتظار الموت، تلك الأنابيب السخيفة، الإبر التي تنفخ ذراعي، ماذا أفعل في نادي ما قبل الجثث؟).

 

من هذه اللحظة يبدأ الموت حضوره المبجل، ومع ان (شان بين) لن يموت، إلا أن الموت لن يمرر الأمر بهذه السهولة، فلابد من ضحية آخرى، لابد من بديل آخر يموت، يحل مكان بول، الذي يجد أن القدر قد ساق له ثلاثة جثث سويةً يختار منها قلب يناسب جسده وقلبه الواهن، لهذا كان الموت الكائن المؤجل في حياة بول على طول الفيلم.
يشارك ( شان بين) البطولة الثنائي المبدع ( ناعومي واتس-بينيكيو ديل تورو)، ومن هنا يبدأ المخرج الشاب في الربط بين هذه الشخصيات بأكثر من فلاش باك، وخيوط سردية منفصلة، لكنها تجتمع في النهاية بنقطة إلتقاء ضرورية لإتمام الحبكة، وهذا ما اجاده (أليخاندروا غونزاليس) على طول فترات الفيلم، إذ تخرج لنا الأم الشابة التي دهست عائلتها كاملة، في حادث للمجرم (بينيكيو ديل تورو ) الذي يجد نفس تائباً، و اكثر الناس تردداً على الكنيسة.
منذ هذه اللحظة، يستطيع المشاهد جمع الخيوط، وإلتقاط فلسفة المخرج وإستكشاف روعة أداء شان بين، حتى إنه يستطيع البقاء شارد الذهن ومنتبهاً في الوقت ذاته، خالقاً لنفسه مجالاً آخر يتلقى من خلاله الألم كما يريد، تحديداً بعد الحادثة التي تُنهي حياة ثلاثة أشخاص، تحت السيارة ذاتها، تعود حياة (بول) في النمو من جديد، بعد أن وصلت إلى ادنى مستوى، وبعدها بأشهر تبدأ حياة قلب ( ناعومي) في التبتل مرة أخرى عن طريق قلب زوجها المتوفى والذي زُرع لـ(بول)، لتعود الدائرة ذاتها في الدوران لكن بسرعة أكبر هذه المرة.
لقد ظل اليأس يطل من نافذة الجميع طوال الفيلم، ويتسلل إلى المشاهد، إلا أن نسبته تعود لتنخفض ويحل مكانها الكثير من التفائل، والإرتباط بالرب، كما يحدث دائماً مع التائب( بينيكيو)، فيقول : (لقد فعلت كل ما طلبه مني.. لقد تغيرت.. كرّست حياتي له.. ثم ماذا قدم لي؟ لقد أهداني هذه الشاحنة كي أقتل هاتين الصغيرتين.. هل أراد لي الألم؟ لماذا أراد لي الألم؟! ..)
يحل مكان اليأس عند البعض رغبة الأنتقام، رغبة الانتقام من القدر، ومن المجرم التائب الذي سلم نفسه بعد الحادثة، ويتغلل في قلب الأم، وشيئاً فشيئاً يدخل إلى قلب الزوج القديم، والعاشق الجديد.
في النهاية يعود (بول) إلى مراقبة الأجهزة الطبية والمرضى من حوله ويفتح النار على الكثير من الأسئلة التي في مجملها تحمل رائحة الموت. (كم مرة نعيش؟ كم مرة نموت؟ يقال إننا نخسر 21 غراماً في لحظة موتنا،كل واحد منا.. فما هو هذا الشيء الذي يزن 21 غراماً برأيكم؟ ما الذي نفقده؟ متى نفقد ال 21 غراماً؟ ما الذي يزول معها؟ وماذا نكسب؟ كم تساوي 21 غراماً؟)

Enemy At The Gates

4 November 2005

 

 

 

الأمر ليس كما يبدو في العراق، ولا في أفغانستان، الأمر في الحقيقة لا يعدو عن أن يكون بحثاً عن حياة ممكنة، رغم كل مشاهد الدماء التي تمر على عين المشاهد، وذلك ليس بسبب المشاهد المكررة من طريقة القتل نفسها التي تدور عليها الكاميرا في لحظات متقاربة.
(Enemy at The Gates) ليس الفيلم الوحيد الذي أعاد طرح الحرب العالمية الثانية، وأعاد تلك المناورات العسكرية بين قوات التحالف وتلك الألمانية، ومع ذلك فإن الفيلم استطاع بجدارة إبعاد الهم الحربي عن المشاهد وترك له الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي يمكنها أن تحدث في اللحظات التي تنشغل فيها الأرواح بحكايات أهم، لتتخلق هذه العلاقات بطريقة عفوية، يسيرها الهم الاجتماعي والاقتصادي المشترك.
لا يمكننا إطلاق فيلم حربي على هذا النوع، رغم أرتال العربات المصفحة المنتشرة، ورغم دوي الإنفجارات المتكرر في كل لحظات الفيلم، والطائرات المُحلقة فوق الرؤوس، فالفيلم يحكي في مجملة قصة معارك صغيرة تدار داخل حرب أكبر، يمكن لهذه المعارك أن تحدث فرق كبير على المستوى النفسي رغم ضآلة الخسائر المحتسبة.

 

 

بندقيتين فقط تصنع الفيلم كاملاً، وكيف يمكن لهاتين الأداتين الصغيرتين أن تقلبا الكثير من الموازين، أمام المجنزرات، والطائرات، ومن ثم يتدخل الرؤساء في صياغة سيناريوهات هذه المعارك الصغيرة، متناسين القضية الأكبر لفترات متقطعة، ويحشدون الكاميرات البدائية، والصحف الرديئة التي تطبع في معسكرات الجيش وتوزع بسرية.
فاسيلي ساتزيف ( جود لاو) في البداية يظهر في مشهد فلاش باك، وهو يتربص لذئب كان قد كمن له بمعيته جده، ولأن الذئب استغل طفولة (فاسيلي ساتزيف) آنذاك واقتنص تردده في الضغط على الزناد، فقتل الحصان الذي وضعه الجد كطعم ثمين في ليالي الشتاء القارسة، ينتقل الفيلم بعدها إلى قطار طويل يضم الكثير من النازحين، والكثير من الفقراء الذين يهربون باتجاه الحياة بعيداً عن رائحة البارود، يختلط بهم الكثير من الجنود الذين يبدو أنهم قدموا من أماكن متفرقة من روسيا، من اجل الالتحاق بكتائب الجيش.
كيف يمكن أن تنشأ علاقة حب في مثل هذه الظروف، وللجميع الحق في تصور كيف يمكن لهؤلاء المتضررين الكُثر إيجاد مكان مناسب لهم داخل إحدى هذه المقطورات المكتظة، وبعد ثوان فقط من بدء دخول الكاميرا للقطار، ستجد المشاهد التي يكون فيها شخص ما يتوسد قدم آخر مألوفة، بل يصبح الأمر أكثر حميمة للمشاهد وهو يلاحظ ويشاهد رغم كل هذه المآسي بوادر علاقة ستنشأ فيما بعد بين فاسيلي ساتزيف القادم حديثاً و (ريتشل وايزيس)، الفتاة ذات البشرة المنطفئة التي تحتفظ بالكثير من ملامح الجمال رغم كل ما مر بها، وما أن يصلان إلى المكان المقصود (مدينة ستالينغراد) حتى يفترقان قبل أن يتمكنا من صياغة أي حديث عابر.
في هذه المدينة لا يمكن لك المخاطرة بالمشي خارج العمران، حتى أن المشي في الداخل يعد مخاطرة أقل خطراً، ومع ذلك وجد فاسيلي ساتزيف نفسه في المنتصف والكثير من القنابل تتساقط حوله، قبل مجيء سيارة مجهولة تخترق رهبة المدافع لتنقلب بالقرب منه، وتتطاير الكثير من المنشورات الصغيرة، يخرج منها السائق جريحاً، ويستلقي قريباً من فاسيلي ساتزيف الذي أرغمه على تمثيل الموت حتى يمر الجنود القريبين.
يمكن للمشاهد استنتاج من يكون هذا الجندي الذي اصطدمت سيارته، هو ضابط بالأحرى أكبر رتبة من فاسيلي ساتزيف، يشغل عملاً صحافياً في جريدة الجيش، وهو ذاته الذي اكتشف موهبة فاسيلي في الرماية، فبعد انسحاب الجنود الذين تأكدوا من موت الجميع، تناول ساتزيف بندقية احد الموتى وصوب تجاه الجنود الذين انشغلواً بأعبائهم اليومية.
يقوم الضابط لاحقاً بسرد قصة فاسيلي ساتزيف من خلال المنشورات التي يوزعها باستمرار، يكتسب بعدها شهرة، ويحمل هموم الضعفاء الذين وجدوا في وجهه الوديع الطمأنينة التي تساعدهم على مواصلة الحياة، ليلتقي مرة أخرى بالفتاة الجميلة التي التقاها في القطار، والتي كان يميل إليها الضابط الصحفي في نفس الوقت، فيقع الجميع في مأزق الحب، والعاطفة التي يؤججها سعير الطلقات النارية في الخارج، يدور بعد ذلك الكثير من الحوارات الجميلة، والكثير من المشاهد المليئة بالدهشة، والكثير من المعارك بين فاسيلي وعدوه الألماني الذي أستقدمه رئيس الجيش لمواجهة ساتزيف.
سيكتشف المشاهد أن الفيلم مصنوع بطريقة احترافية، وكمية الإضاءة التي استعان بها المخرج ومهندس الضوء متزنة ومتفوقة، ويمكن القول بأن السيناريو كتب بطريقة تترك للمشاهد العديد من الأسئلة اللحوحة

The Road Home

28 October 2005

 

 

 

جنازة يسير بها المشيعون في طريق طويل، عليه أثار ثلوج لم تذب بعد، وبكاء لنساء لا يعرفن إلا الموت سبباً وجيها للبكاء، ورجال باسقون يحملون نعشاً خشبياً في البرد القارس، ويهمسون بأحاديث وأغنيات تبدو مألوفة، ويبكونها بطريقة تدعوا للتأمل .. في الوقت ذاته، هم يفعلون كل هذا، ويمشون الطريق الطويل كل مرة، لأنهم لا يريدون لأمواتهم أن يتوهو، ويأملون منهم( الأموات) شحذ الإنتباه في الطريق المؤدي إلى المقبرة، حتى إذا ما أشتاقوا إلى البيت عادوا، ليلقوا تحية المساء، أو ليتناولوا وجبة ساخنة.
هذا التقليد الصيني القديم، وهذه الطقوس الروحانية يستطيع أن يبرزها المخرج الصيني اللامع زانغ يمو، في فيلم (العودة إلى الديار)
ليست ملحمة إسطورية لرجال شرقيين يحملون النصر في ملامحهم، ولا حديثاً يجف فور الإنتهاء منه، بل نوع آخر إنها ملحمة عاطفية رومنسية لا تتكرر كثيراًً، ولم تكن ستبدو بهذا الجمال لو لم يكن مخرج الفيلم من طراز “زانغ يمو” والذي فاز بفيلمه هذا بجائزة لجنة التحكيم لمهرجان برلين الدولي.
فحين يقلب المخرج زانغ يمو كل نواميس الطبيعة السينمائية، ويلعب لعبة الالوان الشهيرة، بفلسفة تبدو معقولة للمشاهد، بل إنها تبدو مبررة جداً للذين أفستدهم المدن، يبدأ فيلمـه زانغ يمو بسيارة تتهادى على طريق جبلي متعرج، وشخص على جانب الطريق يريد أن يذهب إلى مكان يبدو بعيداً، يتضح فيما بعد أنه ينوي الرجوع إلى قريته، عودته هذه بسبب وفاة والده الذي خلفه وراءه في يوم غابر وسافر إلى المدينة.

 

 

من هنا تحديداً يمكننا رؤية الجمال الفني في رؤية المخرج، إذا صور جميع مشاهدات الزمن الحالي بحيادية الألوان وباللونين الأبيض والأسود فقط، وحين تبدأ الذاكرة في الدوران، ويبدأ الماضي يحل تدريجياً مكان زيف الحاضر، إلى ما قبل الاربعين سنة تتغير الألوان تماماً، وتبدأ الألوان في الحضور جملة وفرادى، وتبدأ الموسيقى في الظهور بتصاعد أنيق، ويبدأ الكل في إرتداء الملابس الزاهية.
لقد خالف زانغ يمو العادة هذه المرة، فلم يكن الأمر كما تعودنا حيث تون الذكريات بالأبيض والأسود الباهت، ويبهجنا الحاضر ليكون ملوناً، وكأنه يقول بفم مليئ بأن هذا الزمن ليس جديراً ببهجة الأزرق، ولا برزانة الأحمر، أو أناقة الأصفر ولا يستحق حياة الأخضر، الحاضر هو القـاتم الكريـه، المنبوذ، منعدم الألوان وليس الماضي.
الآن يعـود الشاب للقرية، يعود ليقابل الأعيان، ويلتقي بالرجل الأكبر في القرية، فيخبره بعزم أمه على دفن والده بالطريقة التقليدية، حيث يحمل الرجال أباه ويدفنونه في قريته وهو الذي مات مكان آخر، وهي عادة صينية قديمة، وكلهم أمل بأن يستدل المتوفى الطـريق إلى زوجته وأبناءه كل ليلة، كل ما أستحضرته ذاكرة احدهم، يتنقل بعدها الوقت فيعود بنا إلى الوراء قليلاً ليسرد الابن قصـة والديه وعشقهما، بالألوان وليس بألوان الحياد الأبيض والأسود.
تطلع علينا فتاة يانعة من حيث لا ندري “زاو دي”، ويبدو أنها من النظرة الأولى أنها ستغرم بالمعلم القادم من مدينة مجاورة، على عربة مهترئة يجرها حصان ضخم، يتصاعد البخار الساخن من أنفه، ويمر بالقرية البسيطة، ليظهر للجميع مدى بساطة الارياف، فقد اصطف السكان على جنبات الطريق بدون ترتيب، جميعهم ينتظرون، ينتظرون معلم أبنائهم، فقد شعروا بأن ساعاتهم الداخلية بدأت تدق، في هذه اللحظة تحديد تراه زاو دي وإذا ما صنفنا بأن تلك النظرة الخجولة في عينيها ليست سوى إعجاب محض.
زاو دي فتاة ريفية، كما جميع الريفيات، تعتنـي بوالدتها الضريرة، بالإضافة إلى اللعب والمرح، والضحك، تقوم كذلك بجميع أعمال المنزل، فتجلب المياه بإنتظام، وتقوم بأعمال الطبخ والغسيل، ولا تشتكي أبداً، أو تتذمر، وبالنسبة للشخص الآخر الذي يسكن إليها في سيدة ضريرة(والدتها) فقدت بصرها لانها بكت زوجهـا بطريقة مؤلمة، إلى أن أصـابها العمى.
وبالنسبة للمعلم، فكما يظهر للجميع، فهو شخص طبيعي، شاب ذو ملامح رزينة، ووسيم على طريقة الصينين، طردته المدينة بطريقة غير مباشرة، ما اضطره إلى الذهاب إلى قرية ما، ويقبل بوظيفة التدريس التي عرضت عليه، لقد أبدى من اللحظة الأولى إتقانه للعمل، وشغفـه بالتعليم، وسط جموع أهالي القرية الغفيرة، المتحمسة لهذا الضيف الجديد، ورسم على ملامحة قبوله لمزيج العادات القروية المبهحة، فكان يتناول غداءه يومياً عند أحد الأسر، وهذا ما جعله يالف حياة القرية، ويألفه الآخرون، ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الفيلم يحمل القيم الإيجابية فقط، فلا أشرار يظهرون طيلة الساعة ونصف التي هي مدة الفيلم، والجميع يهنأ بحياته بطريقة تناسب القدر.
بقي الحديث عن العمل الموسيقي، الذي سار بالعمل إلى بر الجمال، وعملت كرافد آخر يحمل المتلقي على الإستمتاع بكافة التفاصيل الصغيرة، والكبيرة في الفيلم الأسطورة
 

 

DOGVILLE

27 October 2005

 

 

ليس من ضرورةٍ إلى دخان يتصاعد في الأرجاء، ولا حتى ضباب أو أصوات نارية، أو إضاءة عالية وجيدة، لكي ينتج لنا فيلم رائع، وهذه الروعة تحتمل الأبعاد الفنية التي يتطلبها أي عرض سينمائي، بعيداً عن الأستهلاك الذي يتكرر يومياً في صالات السينما الهوليودية، ربما لأن هوليود لم تنفذ العمل، وأضطر ارباب العمل إلى الأتكاء على الجماليات المتاحة، والبسيطة للجميع على خشبة المسرح\ الفيلم.
القدرة التي تصنع فيلم على خشبة المسرح، جديرة باحتواء كافة الهموم الصغيرة المعاشة، ومن ثم إعادة بثها على ذاتال مسرح المظلم بعض الشيء، وإظهار بعض الجوانب الخفية والتي يمكن أن تدار في الكواليس الحقيقة، فتصبح شفافة جداً، بلا حواجز او ستائر.
إذ يقدم المخرج (لارس فون تيرر) الدنمركي في فيلمه (دوغفيل) رؤية إخراجية مختلفة تماما عن كل الأفلام التي قدمتها أستوديوهات هوليوود، أو المنتجين المستقلين. على مسرح بأرضية سوداء مخططة بطباشير البيضاء، وأثاث شحيح يمنح المكان بعض الملامح التي يحتاجها المُشاهد، دون الحاجه إلى جدران مستعارة، ولا إلى نوافذ، او حتى أبواب، كل ذلك لكي يُقدم (دوغفيل) كواحد من أبرز الأفلام من ناحية الإخراج أو الفكرة، بما يمكن أن نسميه (الفيلم المسرحي)
هذا الفيلم الذي قامت ببطولته نيكول كيدمان، جسّد فكرة انتقام الأغراب، الذين يبذلون كل جهدهم في تقمص دور الفرد الأصيل، ثم يفشلون، ولا يتوانون عن البدء من جديد في محاولات شبيهه تحمل نفس الهدف، وبطرق مختلفة بعض الشيء.

 

 

فالفتاة الشقراء، تدلف إلى قرية بجدران غائبة تكشف سوءات الآخرين، وأبواب مشرّعة للعابرين وللهواء، وتحاول أن تغدو فردا في مجتمع لم يعرف غريبا منذ أن ولد في لحظة بعيدة، تتخذ القرية قرارا بشأنها، وتأمرها بتقديم خدمة لكل بيت قبل أن تنفى منها وصمة الغربة، ومع أن كل شيء يبدو على ما يرام، حتى الكلب المرسوم بالطبشور كذلك خارج حدود بيت عائلة الأطفال السبعة، تجد نفسها مؤمنة به، فيما هو لا يزال رسم على الأرض، رغم أنه يمارس دوره كحارس أمين.
هي ما فتئت توهم نفسها بأنها الملاك الذي يرعى بيوت القرية جميعا، ويقضي بعض الحجايات المتلاحقة، الملاك الذي لا يتوانى عن تقديم المساعدة لأي منها، حتى مع شكوكهم حول تلك الفتاة التي قدمها (توم) لهم في ليلة باردة، والتي تملأ الأعمدة صورها بكونها مجرمة خطرة مطلوبة لدى العدالة.
الإضاءة الشاحبة التي توزعت في أنحاء المسرح، ولم يتغير معدلها حتى آخر الفيلم، والمدى الأسود يرسمان للمشاهد قصة مستقلة، وفي الوقت ذاته، منحا الفيلم هيكلا قويا تستند عليه، والأصوات التي ابتدعها المخرج لوصف من اسقطه عنوة من أثاث الأفلام الأخرى، فهناك أصوات أبواب تفتح، وصرير أخرى تغلق، وأصوات نوافذ توصد، كل ذلك فتح النار على مصراعيها للتخيلات التي يمكن أن يعطيها مجتمع يحتوي على هذه الشفافية المزيفة.